“المرأة في مسار الانتفاضات العربية”

د. منى عبّاس فضل

واقع مشاركة المرأة في الاحتجاجات

   استناداً إلى ما سبق، هل يجوز القول أن ما حققته المرأة من مشاركتها في ميادين الانتفاضات العربية، قد تجاوز في واقعه الإنجازات التي تحقّقت لصالحها على مدى سنوات من تشريعات وقوانين ودرجات علميّة ومناصب قياديّة ومكتسبات عبر انخراطها بالنشاط العام وفي قوى سوق العمل؟ بمعنى أوضح، هل يمكن لمشاركتها أنّ تساهم في تحقيق وبلورة شعارات طرحت منذ القرن الماضي ولازالت، تتعلق بتمكين النساء اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وتعليميًا؟

قبل الإجابة على هذه التساؤلات التي تعتبر بحد ذاتها تحديات تواجه نشاط المرأة، يستوجب الأمر  التطرق إلى واقع نساء الثورات والاحتجاجات ممّن خرجن يوميًا بالآلاف والملايين في انتفاضات الشوارع، واثقات رافعات أعلام بلادهن يلوحن بإشارات النصر وتعلو هتافاتهن عنان السماء بعد أنّ حطمن مقولة “أنّ صوت المرأة عورة وهي لا تملك سوى ما بين أرجلها ووجودها في الفضاء العام حرام” بل أنّ نشاطها السياسي خارج مظلة الأنظمة الرسمية مخيف وخطير، لما لا وقد ثبت ممّا لا جدال فيه، أنّ تمرد النساء ونشاطهن اتسم بالجرأة سواءً من القياديات أو القاعديات اللاتي تحملن أعلى مستويات المسؤولية في معترك ميادين الحرية والكرامة وخرقن قواعد اللعبة السياسيّة التقليديّة في مشهد أقل ما يقال عنه بأنّه يحرج من يصدح ليل نهار بقضايا حقوق المرأة وتمكينها، لكنه يساهم من طرف آخر بقمعها وتهميشها وانتهاك حقوقها الإنسانية وممارسة العنف عليها.

من تونس إلى مصر فاليمن إلى ليبيا فالبحرين وسوريا وغيرها، شاهدنا وعشنا خوض المرأة والرجل معارك المطالبة بالكرامة والمواطنة الكاملة والحرية معًا، ثورات انخرطت فيها النساء بكثافة في الاعتصامات والمسيرات ولعبن فيها دوراً جوهرياً ونضالياً فعالاً في تأجيج الاحتجاجات والانتصارات التي فاقت التوقعات بصنعهن للحدث والتقدم في مواجهة آلات القمع والبطش، وقد شاركن الرجال في شتى المجالات من الإطعام إلى الجانب الأمني والسياسي والإعلامي[1]، وساهمن بالتعبئة عبر وسائط الإعلام الحديثة والتقليديّة التي لعبت دورًا جوهريًا في التواصل بين المحتجين، حيث استطاعت خلق فضاءً للرأي العام، وتمّ توظيفها كبنية تحتية للتحشيد الشعبيّ مقابل التحشيد الرسميّ وخطاباته.

تعاطت النساء مع شبكات التّواصل الاجتماعيّ وساهمت بتصوير الأحداث بالهواتف الذكية، ونشر الأفلام على شبكة الانترنيت بواسطة موقع اليوتيوب والفيسبوك التي تلقتها في الحال الفضائيات وأعادت بثها على موجاتها، فضلاً عن مساهمتها في إصدار البيانات والمذكرات المناهضة للظلم والفساد والتمييّز، فكل هذه الجهود جاءت لصالح الحراك الشعبي بصورة مباشرة وغير مباشرة، لاسيّما وأنّ وسائل الإعلام أصبحت بحد ذاتها محور الحالة الشعبية في انتفاضتها ومحط اهتمام جماعات الحراك الشعبيّ وأنظمة الحكم التي مارست “حرب التضليل الإعلامية”، إذ لعب المال السياسيّ دورًا مهمًا في إخماد بعض الحركات الاحتجاجية خصوصًا في بعض الدول التي تمتلك دولها قوة الإعلام في المنطقة العربية[2].

هناك بلدان لم تشهد بعد ثورات وانتفاضات كالتي حدثت في تونس ومصر مثل المغرب والجزائر ولبنان والأردن وبقية دول الخليج باستثناء البحرين، إلا أنّ صدى ما حدث كان قويًا عليها وسرع من إجراء بعض التحولات والإصلاحات السياسيّة، فقد تفاوت رد فعل الحكومات على الانتفاضات، فمنها من أمر بمنح هبات اجتماعية تزامنت مع درجات مختلفة من التنازلات السياسية كزيادة الرواتب الحكومية، وتخفيض الضرائب كما في الجزائر والمغرب والأردن، وزيادة التوظيف في بعضها الآخر الذي لم يشهد اجتجاجات، حيث رفعت الميزانية الخاصة برواتب المتقاعدين وزيادة مبالغ الدعم والتحويلات النقدية، والهبات الاجتماعية المكلفة والإجراءات السياسية التي أقالت بعضها مجالسها الوزارية وأعادت تشكيلها، وأعلنت عن إصلاحات دستورية وانتخابية، كما أطلقت حوارات وطنية وأدخلت تعديلات على أنظمتها الأمنية والقضائية التي تزامنت مع وعود شفهية بتعزيز حقوق الإنسان والمشاركة المدنية.

أما في بلدان مجلس التعاون الخليجي فقد استفادت من العائدات النفطية فرفعت أجور العاملين في القطاع العام ودفعت مكآفات وهبات سخية لمرة واحدة كما حدث في البحرين، وأغلبها رفع من مخصصات الدعم وزيادة أو تحسينات في أنظمة التقاعد كالكويت وعمان، أو التصدي لأزمة البطالة كالسعودية وقد اعتبرت هذه الاجراءات في معظمها ذات دوافع سياسية ولهذا فهي لم تترك تأثيراً ثابتاً كما تبين الدراسات[3]، إلا إن إجراءات إصلاحية أخرى كان لها الفضل في إرساء تدابير يعتقد البعض أنها جاءت لصالح النساء كما حدث في المغرب كما سيتبين لاحقاً.

معلوم أنّ التونسيات أوّل من خرجن للشوارع للمطالبة بحقوقهن كمواطنات وكنساء وخضن جدلاً للمحافظة على أرث المنجزات المتميز لصالحهن[4]، وفي مصر نزلت المصريات إلى ميدان التحرير بكثافة اتحدت فيها “المسلمات والمسيحيات، السافرات والمحجبات”، وأصبح ميدان التحرير المنطلق التضامنيّ بين الرجال والنساء، الشباب والشابات، المسلمين والعلمانييّن والمسيحييّن، أمّا في اليمن فالنساء كن في طليعة الحدث التاريخيّ وأظهرن مهارات قيادية نضالية عالية ومتميزة، بل وأتقن فن قيادة المحتجين برغم ممّا نالهن من قمع وعنف.

في المغرب كان الوضع متفاوتاً على ما عليه في بلدان أخرى، حيث أنظمت قطاعات واسعة من مختلف الفئات الاجتماعيّة، من العاملات والطالبات في حركتهن ضد زواج القاصرات وتعدّد الأزواج إلى حركة “20 فبراير” الشبابية، وذهب المشرع المغربي إلى “دسترة” المناصفة والمساواة بين الرجال والنساء حيث خاضت المغربيات جدلاً عميقاً حول ذلك[5]، وفي الجزائر نفذ صبر النساء من حالة البؤس والبطالة وكان نزولهن إلى الشوارع ردًا قويًا على خطاب التهدئة الذي ألقاه آنذاك الرئيس بوتفليقه، وارتفع صوت “جميلة بوحيرد” متحديًا بأنها ستنزل إلى الشارع للتظاهر ضد الرئيس لو رشح نفسه لولاية رابعة، وستندد بالمساوئ المنتشرة من اختلاس المال العام والفساد والرشوة وسياسة الإفلات من العقاب وخنق منظمات المجتمع المدني.

أمّا في السعودية تصاعدت دعوات السعوديات إلى رفع نظام الوصاية عنهن، هذه الوصاية التي تسحب حقهن في العمل والدراسة والسفر والزواج ومنحها –أي الوصاية- لولي أمرها، طالبن بحقهن في قيادة السيارة من خلال حملات الفيسبوك، وبجرأة قررت “80 امرأة” تحدى السلطات الدينية والإداريّة وقيادة سيارتهن كشكل من أشكال التعبير عن العصيان المدني على حالتهن، إضافة لمشاركتهن في المسيرات الاحتجاجية في المنطقة الشرقية، ولا يزال أمامهن شوط طويل لتجاوز هذا الواقع المختل.

في البحرين نزلت المرأة حتى وقت قريب إلى الشوارع بكثافة وحضور لافت، هذا النزول لطالما اعتبره الكثيرين انعكاسًا إلى حيوية ودينامية المجتمع المحليّ مقارنة بالمجتمعات المجاورة، ما جعل استجابة النساء لمطالبات التغييّر والإصلاح والعدالة والمساواة في الحقوق سريعة ومتفاعلة، لاشك هناك وعيّ نسبيّ لدى قطاعات من النساء خصوصًا الشابات منهن، دفعهن للتفاعل مع الحراك السياسيّ والاجتماعيّ، فحضورهن كان بمثابة استكمال لحضورهن المبكر في ساحة العمل السياسيّ منذ بواكير القرن العشرين، وفي كل المراحل المفصلية من تاريخ الوطن، لذا فمشاركة النساء في حركة الاحتجاج وتحمل تبعاتها ونتائجها إنما يمثل حلقة من سلسلة النضال التراكميّ للمرأة مهما قيل فيما يتعلق بمسألة جهة الانتماء، فالمرأة البحرينية استجابت بسرعة للتعليم مع افتتاح أوّل مدرسة نظامية في 1928 وكذا مشاركتها بفعالية في انتفاضة الخمسينيات التي قادها أوّل حزب سياسيّ “هيئة الاتحاد الوطنيّ”[6] ومشاركتها الواسعة في كل مناطق البحرين في الانتفاضة العمالية في 1965، بل أنّ بعضهن مارَسن العمل التنظيميّ السريّ، ونفس الأمر في انتفاضة 1972 وفي تسعينيات القرن الماضي[7].

حضور المرأة في الميادين كظاهرة سياسية 

أنّ ظاهرة المشاركة النسائية في ميادين الاحتجاج والانتفاضات لم يقتصر على التيارات اليسارية والوطنية، إنما شملت الإسلام السياسيّ، خصوصاً وقد تميزت العقود الثلاثة الأخيرة بصعود حركات الإسلام السياسيّ في مجتمعاتنا العربية عامة، وبما تحمله من خطاب متفاوت لصورة المرأة ودورها وحقوقها ومكانتها[8]، كما إن مشاركة المرأة البحرينية من هذه الناحية لها دلالة على تأثير التنشئة الأسرية ومحيطها الذي ينمي الوعي ويزرع قيم التمسك بالمطالبة بالحقوق وعدم التنازل عنها، ولا يمكن للمرأة في هذا الحال إلا أنّ تتجاوب وتتفاعل بقوة مع الحراك الذي دعا إليه وتصدره الشباب والشابات، ومن ناحية أخرى لها دلالة بأنّ المنعطفات السياسيّة التي رافقتها ثورات اجتماعيّة وثقافيّة في البحرين كما في المجتمعات الأخرى، غالبًا ما كان للمرأة وجود قوي فيها.

حضور المرأة البحرينية في حركة الاحتجاج كان مثير للدهشة والإعجاب نظرًا لكثافة وجود المرأة الشابة وجرأتها وقدرتها على التأثير والتأثر في الحراك، وفي اندفاعها بآلاف إلى الشوارع حاملة اللافتات والأعلام والورد، إذ شاركت المثقفات والمحاميات والمعلمات وأستاذات جامعيات وطبيبات ومهندسات وعاملات وعاطلات عن العمل وصحافيات وإعلاميات وغيرهن، فجميعهن برزن بأدوارهن في المشهد السياسيّ، أثارت البحرينية الدهشة حتى في صورها ملتحفة بالعباءات السوداء غاضبة يعلو صوتها بالهتافات مع المتظاهرين وتلقى الخطابات أمام الحشود وتنشد الأشعار الحماسية، بيد أنّ نفس المشهد كان مرعبًا لاتجاهات فكرية وسياسيّة مغايرة رأت فيه تهديدًا لمستقبلها ووجودها، البحرينية عاشت حالها حال غيرها في خضم إرهاصات التحركات الشعبية العربية وثوراتها، فهي التي لمست وشاهدت وتابعت بدقة متناهية حالة الميادين في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، ورأت الحشود الغفيرة ومعالجة الجرحي والمصابين وحركة التنظّيم والتحفيزات الالكترونية والاعتصامات في الساحات والإضراب عن العمل في بعض المواقع وعن الطعام أيضًا كاحتجاج ضد الفساد والطغيان، وقد استفادت بحسها ووعيها من كل هذه التجارب.

لقد بدا جليًا كسر النظرة النمطية التقليدية الشائعة عن تلك المرأة المتوارية التي غالبًا ما يتم تصويرها بأنها خاضعة وخانعة ملازمة لبيتها لا تشارك في الحياة العامة، فقد لعبت دورًا كبيرًا وغدت عنصر أساسيّ من عناصر حركة الاحتجاج في المدن والمناطق الريفية، أتقنت مهارات التّواصل والإحاطة بتفاصيل الحدث السياسيّ ومتابعته اليومية، لم تعد السياسة بالنسبة لها ترف وشعار أجوف يتداول في المنتديات وورش التدريب التي تنفذها المنظّمات الدولية بالشراكة مع مؤسّسات رسمية أو بعض مؤسّسات النخب النسائية، لم تعد المسألة مسألة محاكاة رقم هنا ورقم هناك، فالفوج يلو الفوج من نساء الميادين تكفل بتحطيم قيم ونظريات وإعادة تشكيل للرؤية والفكر والإيديولوجيا.

المرأة البحرينية مارست ولا تزال دورًا فعّالاً وبدينامية دائمة وفي مقدمة الموجات الاحتجاجية التي نزلت لميدان اللؤلؤة[9]، اصطحبت الأمهات أطفالهن وساندن الأبناء والبنات والأزواج المطالبين بالحقوق، كما علت أصواتهن بالتكبيرات الليلية الاحتجاجية، واستجبن للمشاركة الدؤوبة في مهرجانات المعارضة الأسبوعيّة ومسيراتها وبآلاف، وحين تمت حملة الاعتقالات والاستجوابات واستمرار المحاكمات في فترة السلامة الوطنية وما بعدها، فلم تنجو النساء والشابات ممّا أصاب الرجال من تعسف، فتعرضن للمخاطر والعنف والاعتقال والاستجواب والتوقيف عن الأعمال أو التسريح منها وغيرها بنفس القدر ممّا نال الرجال[10]، اعتكفن في صلواتهن بدور العبادة وشاركن في الصوم والإضراب عن الطعام احتجاجًا على اعتقال النساء أو اعتقال ذويهن، وتصدرن الخطوط الأمامية في خضم المواجهات والتظاهرات التي تصدرتها أحيانًا أمهات الشهداء والمعتقلين والمسرحين من أعمالهم حتى أثناء فرض “قانون السلامة الوطنية” بعد ضرب حركة الاحتجاج.

تفاوت الآراء   

تعددّت الآراء واختلفت التحليلات حول تقييم طبيعة حضور النساء وحجم مشاركتهن والمكانة التي احتلتها النساء وتمثيلهن في أطر المؤسسات وهياكلها ما بعد الثورات والتغيير في بعض البلدان العربية، كما إن الدساتير والتشريعات التي استحدثت لم يلحظ عليها الحرص في المحافظة على حقوق المواطنة للنساء إلا في بعض التجارب، وبالتالي فإن الحال كان متفاوتاً في الحقوق وفي طبيعة المشاركة والتمثيل والنظرة إلى المرأة[11]، فهناك من ناهض ولا يزال يستنكر مشاركتهن ويعتبرها خروجًا عن الإجماع ومعارضة غير مقبولة للحكم يُستحق عليها العقاب والتأديب، وقيل إنها نتيجة مؤامرة خارجية ينبغي تحاشي مطبها، وعلى النقيض هناك من وجد فيها تعبيرًا عن تأثير التنشئة في أوساط المنظمات السياسيّة بمختلف اتجاهاتها، وهناك من أختلف حول علاقة مشاركتهن بمستوى وعيهن السياسيّ، ورأي بأن وجودهن في الميدان تعبير عن تبعية إيديولوجية ذات طابع ديني لا أكثر ولا أقل، وآخرين اعتبروها تعبير عن قهر اجتماعيّ وشعور بالظلم والغبن والتمييّز الطائفيّ بحقهن كمواطنات وكنساء، ووجد البعض الآخر بأنها فرصة سانحة لهن لممّارسة حرية التعبير والاعتقاد والمساواة في التعلّيم والعمل والحماية من ممارسة العنف عليهن بكافة أشكاله.

   من هنا، ومهما اختلفت الآراء ووجهات النظر، يمكن القول، أنَّ المشاركة بحد ذاتها في حركة الاحتجاج تشكل حالة من حالات الوعيّ والدافعية نحو المطالبة بالحقوق وترسيخ المكتسبات، خصوصًا بما أفسحته الثورة المعلوماتية وشبكات التّواصل الاجتماعيّ من مجال للتحرك وتحفيز المبادرات وتنوع الإبداعات، إنها تجربة تراكمية لوعي الشباب والشابات وتفتح أذهانه على المستجدات، كما تتيح للمتابع منهم والمشارك فرصة لإعادة إنتاج وعيه الخاص ورؤيته للأوضاع من حوله وكسر حاجز الخوف الذي لمسناه بوضوح عند فئات كبيرة من النساء في ساحات التحرك الشعبي، ممّا يفرض علينا طرح الأسئلة مجددًا:

  • هل تدرك المشاركات في الانتفاضة حجم استحقاتهن من هذه المشاركة في المدى المنظور؟
  • هل خرجن بعفوية واستجابة لدعوات دينية إيديولوجية، أمّ بهدف المطالبة بالمساواة بين الجنسين، وبمكتسبات حقوقية أكثر من منظور مغاير للمتعارف عليه؟

أظن إنَّ الإجابة ستكون مرهونة بالنساء أنفسهن وبمصداقية خطاب قوى المعارضة السياسيّة وسلوكها على اختلاف توجهاتها، وكذلك بفريق الحكم ومناصريه، خصوصاً وإن المرأة وحقوقها المطلبية فيما يتعلق بالتشريعات كقوانين “الأحوال الشخصية، ومناهضة العنف ضد المرأة” وتعزيز العدالة والمساواة بين الجنسين لم تكن موضوعاً جوهرياً في مسار الثورات وشعاراتها بل شكلت أحد المواضيع الخلافية، وهذا ما نستشفه من إشارة الباحث “أديب نعمة” في تحليله إلى “إن لحظة الحراك الشعبي الثوري في الشارع تميزت بإنظمام قوى جديدة واسعة، لكن الوضع تحول إلى اتجاه معاكس مع نجاح الحراك في تغيير رأس النظام، وتشكيل السلطات الانتقالية، حدثت مواجهات بين تيارات تحمل إيديولوجيات مدنية –أي غير دينية- وأخرى لها طابع إيديولوجي ديني “إسلامي” وثقافي ساهمت في زيادة الاستقطاب الشعبي والتحول بانحراف خطير لجهة الأولويات والأجندات التي وقعت فيها “قضية المساواة بين المرأة وبالرجل”، فقضية حقوق المرأة جزءاً عضوياً من منظومة حقوق الإنسان يجب ضمانها وحمايتها من خلال نص بالدستور، وأن تكون في صلب عملية التحول الديمقراطي، ومعياراً حقيقياً لهذا التحول”، وعليه شكلت علاقة الدين بالدولة، وحقوق المرأة، المسألتان الأكثر حضوراً في النقاش الإعلامي، والخطاب السياسي الموجه للعموم في البلدان التي شهدت تحولاً سياسيّاً، والخشية أن يخدم هذا المسار التراجع بطريقة مقصودة عن الأهداف المعلنة للحراك الثوري[12].

تشير دراسات أخرى[13] تطرقت إلى تقييم مشاركة المرأة في الحراك الشعبي، إلى استمرار التمييز في الحقوق ضد المرأة، من خلال كشفها عن مضمون خطابات القوى التي شاركت في الحراك، فخطاب “جماعة الإخوان المسلمين” مثلاً تميز فيما يتعلق بحقوق النساء السياسية والمدنية “بمساحات رمادية”، ومكانة المرأة والنظرة إليها بين هذه الجماعة على مستوى البلدان العربية متفاوت، بسبب اختلاف السياقات السياسية والحقوقية والتاريخية التي تميّز الدول والمجتمعات العربية بعضها عن بعض، وعليه من وجهة نظرها أن هذه الجماعة ومعها أيضا الأحزاب السياسية اليسارية والقومية والليبرالية والعلمانية قد أخفقت في إنصاف النساء الناشطات في صفوفها، خصوصاً وإن مكانتها تتناقص كلما ارتقينا في السلم القيادي، ما يعني أن هناك فجوة بين الخطاب والممارسة.

أما “الخطاب السلفي” فهو ينتهك حقوق المرأة ويمس إنسانيتها ويتهدد مكاسبها الأساسية، ومما تحقق وما هو قيد التحقيق، فيما تتميز بعض خطابات “حركات الإسلام السياسي الشيعي” بدعم مشاركة المرأة ومساندة حقوقها وتمثيلها ومواطنتها، إلا إنه لا يمكن إغفال نزعات التطرف والفتاوى الشاذة التي تصدر عن بعض التيارات السياسية الشيعية التي تحط من قدر المرأة وتطالب بمصادرة حقوقها وتكريس تبعيتها، الأمر الذي يتطلب التصدي لمحاولات العودة بالنساء إلى عصور التهميش والإلغاء، وعدم تغليب اعتبارات التحالفات السياسية وحساباتها الطارئة، على مصالح النساء وحقوقهن الأساسية والثابتة[14].

ومنه، فنحن حتى اللحظة أمام تحديات لا زالت قائمة لاسيما مع بروز نساء وشابات لهن آراء ووجهات نظر تمثل النقيض وقد شاركن في تجمعات وتحشيدات مناهضة للحركة الاحتجاجية، فهم لا يريدون التغييّر ويكتفون بالموجود من الإصلاح!

نتائج المشاركة وحقائق التحديّات

لاشك إنّ المد النوعيّ الذي شهدته الشوارع العربية، يعد في أحد جوانبه تعبيرًا عن ثورة النساء العربيات، وإنَّ تمثلات وعيهن وإدركاته في هذه المرة أخذت طابعًا وطنيًا بفضل وسائل التّواصل الاجتماعيّ والتطوّر التقنيّ والاتصاليّ، حيث استطاع العالم وعن قرب مراقبة وقياس هذه اللحظات التاريخية والنوعية وتفكيكها وتحليلها وقياس درجة أهميتها ودلالتها للتعرَّف على دور النساء في صنعها وإنجازها، ومعاينة طبيعة الفئات الاجتماعيّة المشاركة وانتماءهن باختلاف الأبعاد الإيديولوجية والسياسيّة التي يشتركن فيها، ما يعني أهميّة النظر إلى هذه المشاركة بصور متعدّدة ومن زوايا مختلفة، لاسيمّا مع حالة الجمود التي تتعلق بعمليّة الرصد والبحث السوسيولوجي الميدانيّ محلياً لما يحدث من تطوّرات في بعض البلدان برغم موقع المرأة الأساسيّ في شكلها وباطنها -أي الانتفاضات-، كما إنّ الخطاب الرسميّ المتعلّق بهؤلاء النساء بات عاجزًا عن مواكبة الحدث، وعلى ما يبدو وبسبب شدة القمع وما يولده من خوف باتت أغلب “المؤسّسات النسائية التقليديّة” لا تقترب في تحليل الظاهرة بما هو أبعد من عموميّ وشكلانيّ بهدف تسجيل حضورها عوضًا عن تفاعلها وصناعتها للحدث التاريخيّ.

غطت وسائل الإعلام الدولية “وليس العربية الرسمية” مشاركة النساء بالتركيز على الشابات منهن وفئاتهن الاجتماعيّة وانتماءاتهن الدينية “مسلمات، مسيحيات، محجبات، سافرات..الخ”، وعبر عدد من الغربيين عن مفاجئتهم واندهاشهم لهؤلاء المتمردات إذ لطالما انتشرت في أوساطهم الصورة الاستشراقية الشائعة بأنّ “المرأة العربية أو المسلمة المحجبة معزولة خانعة ومتخلفة..الخ”، بل أنها لا تتجاوز في تفكيرها مجال الفضاء والحيز الضيق.

بالطبع، شهادات النساء العربيات مناضلات الانتفاضات الشعبية، تمثّل ظاهرة جديرة بالّدراسات السيسولوجية، لاسيما مع الترحيب بتواجدهن جنبًا إلى جنب مع الرجال في الساحات والميادين رافعات المطالب الديمقراطية والتغييّر، إضافة لظاهرة التصدي لهن بعنف لم يقل عما تعرض له الرجال.

هناك مخاوف وهواجس تتزايد كل يوم، نستشفها علانية أو بصورة مضمرة، تشكّك في قدرة الحركة الثورية الإيفاء بحقوق المرأة في أخذ مواقعها في صناعة القرار السياسيّ خصوصًا مع خفوت الحديث عن رفع التمييّز ضدها وإقرار بعض التشريعات لصالحها ودسترتها، وقد كثر الحديث عما ستؤل إليه أوضاعها بعد نجاح الثورات التي قادتها حركات تتصف بالتوجه الإسلامي، وبرائنا لا ضير من التعبير والإفصاح عن هذه الهواجس، إنما الملاحظ أيضًا غياب النظر إلى الطابع المعقد المتنوع للواقع السياسيّ والسوسيولوجيّ للمرأة في البلدان العربية، ومع ذلك فمشاركتهن كسرت النظرة النمطية السائدة عنهن، وأثبت واقع الثورات أنهن غير معزولات أو خاضعات، إنما أشكال مقاومتهن للتميّيز والعنف الواقع عليهن في المجال العام والخاص هي التي تتّغير وتتطور، ما يدعو إلى التركيز على دراسة أبرز الثغرات في سياق التحليلات والهواجس السابقة.

الثغرات والإرتدادات

جاءت الإرتدادات على خلفية مشاركة المرأة العربية في ميادين الاحتجاجات بأشكال متعددة ومعقدة، يمكن تناول أبرزها على النحو التالي:

  • تم الترحيب بتواجد النساء في الميادين مع الرجال عندما رفُعت مطالب الديمقراطية، لكنه تمّ التصدي لهن بعنف أيضًا “من بعض اتجاهات النزعة الذكورية” كما حدث في تونس ومصر وليبيا، وبمجرد سقوط الأنظمة الدكتاتورية.

  • ثمة محاولات برزت لإبعاد النساء عن عمليّة إصلاح الدساتير والقوانين التي تؤسّس للمرحلة الانتقاليّة، ففي تونس أبعدن في مختلف الهيئات التي تأسّست في أعقاب الثورة “منها الحكومة الانتقاليّة، ومختلف اللجان السياسيّة المكونة حصريًا من الذكور”، وكان حضورهن ضعيف في لجان إعداد مشروع الإصلاح الدستوريّ مقارنة بمستوى تمثيلهن عام 2009 بنسبة (27.6%) من النواب المنتخبين[15]، أمَّا في ليبيا تبين غياب النساء عدا امرأة واحدة في المجلس الوطنيّ الانتقاليّ الأمر الذي يعتبر تهديدًا حقيقيًا للنساء باعتباره إطارًا معياريًا للمنظومة القانونيّة والسياسيّة التي ستسود.

في مصر غابت المرأة عن اللجنة المكلفة بوضع مشروع إصلاح الدستور. هنا لابد من العودة للتاريخ والتذكير بأنَّ حضور المصريات اليوم جاء امتداد لتأثير نشاط رائدات العمل النسائيّ من “هدى شعراوي” التي خلعت البرقع وانتزعت تحديد سن أدني لزواج المرأة، و”درية شفيق” التي اكتشف في عام 1954 بأنَّ لجنة الدستور لا تضم أيّ امرأة، فقادت اعتصامًا وإضرابًا عن الطعام في مقر “جمعية الصحافيّين” ولم تتوقف عن اعتصامها إلا حين تحقّق للمرأة المصرية حق الترشح والانتخاب كما اقتحمت مقر البرلمان قبل الثورة مطالبة بالحقوق السياسيّة، وأسّست فرقة عسكرية نسائية للمشاركة في المقاومة ضد الاحتلال في قناة السويس وغيرها، وعليه فنساء ميدان التحرير حسب ما يرى بعض المحللين، وإن لم يمتلكن القوة الذهنية للرائدات الأوائل فحضورهن تشكل في سياق الطموح السياسيّ والتربويّ والعلميّ الواسع للرائدات اللاتي انشغلن بالشأن العام واشتبكن بقضايا مجتمعاتهن للمطالبة بمحو الأمية ومقاومة احتلال الانجليز[16].

  • ظهرت محاولات لـ “شيطنة” الدور الذي لعبته “سوزان مبارك” “وزوجة زين الدين بن علي”، ونزع الشرعيّة عن مكتسبات النساء المصريات والتونسيات باعتبارها إرث ومكتسبات مّمنوحة من الأنظمة الدكتاتورية ويجب إقبارها، وكان ذلك عبر دعوات بثت على شبكات التّواصل الاجتماعيّ وفي الصحافة، فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية ومنح الجنسية..الخ، على أساس إنها قوانين سوزان، فقد بدأ خطاب التشدد بعد ثورة 25 يناير المصرية، وبأن الحقوق التي أقرت للمرأة والطفل في ظل نظام حسني مبارك 1981-2011، هي جزء من “تركة النظام” وليست مكتسبات للمجتمع، وبالتالي ينبغي إعادة النظر فيها وتقويضها إذا لزم الأمر في إطار إزالة أركان النظام السابق، وبناء النظام الجديد.

كما تنامت الدعوات المطالبة بأسلمه المجتمع وفتح نقاشات حول مصادر التشريع للدستور الجديد وذلك بتأثير من قوى الردة المتشددة في الحركات الإسلامية في السلطة أو خارجها، وقد قادت “بشرى بلحاج”[17] حملة عليها وتصدت لمن سعى إلى استغلال فضاء الثورة بالارتداد عن المكتسبات وجر تونس لنمط آخر من الاستبداد، وكان على قمة أولوياتها دسترة حقوق المرأة – بمعنى إدراج ما تحقّق من مكتسبات للنساء خلال عقود في دستور الثورة الجديد، حتى لا تكون تلك المكتسبات محل تشكيّك وتلاعب، كما أسّست مجلس تأسيسيّ مواز للمجلس التأسيسيّ الفعليّ الذي تشكل بعد الثورة وترأسته، في حركة رمزية لابتكار شكل من الأشكال النضاليّة الجديدة للتعبير عن المطالب النسائية على اختلاف انتماءاتهن السياسيّة والطبقيّة والفكريّة والجهوية، وتشكيل مقترحات ملموسة تندرج في إطار القانون وحماية الحريات العامّة، والقضاء على التمييَّز ومحاربة العنف المسلط عليهن، ولم تتوانى عن التصريح “أنَّ هناك حملة منهجيَّة وشديدة التنظَّيم تسخرها التيارات المتشددَّة من دول الخليج ومن الداخل التونسيّ لتشويه سمعة الحركات النسائية وتهميش مناضلاتها وإقصائهن من الفضاء العام وتأثيرهن على الحياة السياسيَّة”، إلى جانب ذلك جرت محاولات الانقلاب على مبدأ المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين وعلى المساواة بين الرجل والمرأة، وحرمان الأم من حق منح جنسيتها لأولادها في بعض البلدان العربية[18].

  • أما من حيث المشاركة في الانتخابات التي أعقبت فترة الثورات فيجدر الإشارة إلى صدور مرسوم بقانون رقم “108” لسنة 2011 بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم “28” لسنة 1972 الخاص بانتخاب مجلس الشعب في مصر، حيث نص على المزج بين نظامي “الفردي” و”القائمة” على أن تتضمن كل قائمة مرشحة واحدة على الأقل، وفي هذا الإطار، وقع تراجع عن القانون السابق في 2010، حيث ألغيت آلية “الكوتا” المخصصة للمرأة، وهذا ما أضعف تمثيلها خصوصاً وقد تعاملت الأحزاب باستهانة مع هذا الأمر وأحياناً بإنتهازية، ولم ترشح سوى عدد قليل من النساء على القوائم، فلم يتعدى تمثيل النساء سوى “2%” من المقاعد[19].

  • محاولات فرض حالة من المحافظة الاجتماعية والضبط الديني التحريمي على نواحي الحياة المختلفة وفي العمل”قصة إرضاع الزميل” في المدرسة والمجال العام، وتحريم صوت المرأة وشعرها وجسمها كونه “عورة”، وفي تونس قرّر وزير التعليم معاقبة طالبات إحدى الثانويات لأنهن رقصن في باحة المدرسة، وفي تعزّ وصنعاء كفرّ مشايخ أصوليون الصحافيات والناشطات اليساريات وأحللن دماءهن، فيما فرض زملاء لهم الحجاب والعزل الاجتماعي على النساء بقوة السلاح، وجاء الجواب “الشرعي” لحل مشكلات البطالة بإخراج النساء من سوق العمل كما حدث في الجزائر، أما التزويج المبكر فقد بلغ ذروته في اليمن، وارتفعت نسبة تعدد الزيجات مع مجيء الإسلاميين إلى الحكم، ومعها تصاعدت موجات ممارسة العنف ضد النساء بمختلف الأشكال من تحرش جنسي لا يعفي حتى المحجبات في ظل غياب التشريعات والعقوبات الرادعة، ولا تزال حياة المرأة تزهق أن تعرض “شرف العائلة” او “عرض الرجل للخدش”، وبتوطؤ اجتماعي تخفف الأحكام والعقوبات على ما يسمىّ “جرائم الشرف”، ومع استمرار الاقتتال الأهلي في بعض الثورات[20].

  • تأجيل مطلب المساواة كونه أقل أهمية وأقل إلحاح من التحديات والقضايا التي رفعها الربيع العربي “قانون الأحوال الشخصية في البحرين الجزء الشيعي منه مثالاً”، وأن اللحظة التاريخية أخطر وأكبر من الانشغال بقضايا المساواة، وكذا الأصوات التي ارتفعت مؤخرًا من بعض الأوساط الدينية المتشددَّة التي “تستنكر وترفض انضمام البحرين لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييَّز ضد المرأة “سيداو” وتطالب بتعطيل العمل بها، والبحث عن وسائل قانونية للانسحاب منها، معتبرة أنَّ الاتفاقية تُعَدُّ انتكاسة خطيرة وتُمثِّلُ تهديدًا حقيقيًّا للأسرة وانتهاكًا صارخًا للدولة ونظام الحكم وتهديد للسيادة”.

  • تشويه أدوار المرأة من خلال ربط حضورها بالخلفية الجنسية والأخلاقية، كما حدث في القاهرة، إذ لاحظ المراقبين انخفاض ظاهرة التحرش الجنسي خلال “18 يوم للثورة”، ومباشرة بعد رحيل المخلوع، عادت الظاهرة إلى المجال العام، كذلك خلال مظاهرة 8 مارس التي نظمتها نساء، وما حدث من اعتداء على فتاة شابه وتجريدها من ملابسها وسط الاحتجاجات من قبل قوات الشرطة، فضلاً عن قيام المجلس العسكريّ بإجبار المتظاهرات المصريات المقبوض عليهن وهن “17” سجينة على إجراء “كشف العذرية” في مراكز التوقيف، بحجة سعي المجلس إلى حماية جيشه من تهمة الاغتصاب من طرف الجيش، في إجراء يعد انتهاكا لحرمة جسد المرأة وعدوانا على كرامتها، وقد تضامنت الآف النساء مع “سميرة إبراهيم” ذات الـ25 ربيعا التي ربحت دعوة قضائية ضد المتهمين بعملية “كشف العذرية” عليها والتأييد الكبير لقضيتها فقادت النساء المسيرات الحاشدة ضد العسكر رافعين فيها لافتات كتب عليها “نساء مصر خط أحمر”[21]، أمَّا في اليمن وبسبب الحضور القويّ للنساء المتحجبات في الشارع، اتهمهن الرئيس بسوء الأخلاق، لأنَّ النساء اللاتي يحترمن أنفسهن لا يتظاهرن مع الرجال جنبا لجنب ولا يختلطن بهم” حسب قول علي صالح.

  • في ليبيا أظهرت شجاعة “إيمان العبيدي” وغيرها من النساء كيف استعمل الاغتصاب كسلاح حربي لإذلال النساء والرجال على حد سواء وجعل عائلات بأكملها تغادر مسكنها خوفًا على مصير الزوجات والبنات والأخوات، ومباشرة بعد التحرير بدأت الهجمات العنيفة ضد النساء من ظرف السلفية في الفضاء العام وفي الجامعات للدفع بهن لارتداء الحجاب قسرًا وعدم الاختلاط بالرجال، فضلاً عن ظاهرة تسليع جسد النساء ابتداء ببيع الفتيات لذكور ميسورين غالباً ما يكونوا من الخليج وصولاً إلى البغاء[22].

  • في البحرين لاحظنا كيف يتم التعامل مع النساء في الاحتجاجات، كيف يرش عليهن بعض المواد وكأنهن حشرات، وكيف تمّ اعتقالهن في الشارع وأثناء المداهمات على بعض المنازل والتعدي عليهن، فضلاً عن شهادات من تمّ اعتقالهن والتحقيق معهن المثبتة في تقرير “اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق” المعروف بـ “تقرير بسيوني”[23] والتقارير الدولية الأخرى[24]، فقد أشار “تقرير بسيوني” في مادته “429” بأن المجتمع نساءً ورجال تعرضوا لحملة من الانتهاكات والمرأة كانت متضررة بشكل كبير جداً”، وإن الانتهاكات تضمنت القتل برصاص الشرطة واستنشاق الغازات السامة التي يتم رميها على المتظاهرين، وهناك ممارسات مهينة للمرأة أثناء القبض على المطلوبين واستيلاء على الأموال والحلي، والتهديد باغتصاب الزوجة والأسرة، والتوقيف والفصل عن العمل وفصل الطلبة من الجامعات والمعاهد، وسحب الجنسية وسحب البعثات التعليمية..الخ”[25]، إن تكرار اعتقال النساء وحبسهن على ذممّ التحقيق وسوقهن للمحاكم يهدف إلى إذلالهن عقاباً على مواقفهن وممّارستهن لحرية التعبير حتى على مستوى الإعلام الرسميّ، وعما تردّد عن السباب والتفوه بأقذع العبارات للبنات الصغيرات ممّن يخرجن مع أهاليهن في المسيرات، وما جاء من رد عليه وبما مضمونه: “الأولى استهجان من يستغل النساء ويزج بهن في أعمال مخالفة للقانون” ردًا على مشاركتهن في المسيرات والاعتصامات.

الخلاصة

واضح أنَّ هناك من يحاول تجميل واقع النساء وتجاهل ما يتعرضن له من عسف وظلم في سياق الانتفاضات والحراك الشعبيّ، هذا البعض يجهد في تبيض دوره أمام الغرب ببعض ترقيعات هنا وهناك، فضلاً عن تبرير الخيارات الأمنية والاستبداديّة والانقضاض على بعض المكتسبات التي تحقّقت للنساء عامّة وللعاملات خاصة من خلال تعديل بنود بعض القوانين أو سن تشريعات تتناقض مع شعارات التمكين الاقتصاديّة والسياسيّة المطروحة، وهناك بعض الآراء حول مشاركة المرأة في الربيع العربي، لا تأخذ بعين الاعتبار تنوع أوضاع النساء في كل بلد، إنما الاكتفاء بإعادة إنتاج ونشر الصور النمطية عن وضعها في الوقت الذي أثبت فيه واقع الحدث التاريخي أنَّ الأوضاع المتدنية التي تعاني منها المرأة العربية ترتبط ارتباط وثيق بالاختلالات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة من ارتفاع نسب البطالة في أوساط النساء وانتشار الفقر والأمية وشح فرص التعليم وغياب المواطنة وممارسة الحقوق السياسية التي تعيشها هذه الدول منذ عقود، ما يستدعي مجددًا طرح السؤال التالي إضافة لما سبق:

بعد نزول آلاف النساء إلى الشوارع، هل الربيع العربي هو ربيعًا للنساء؟ هل التحولات السياسية وتضحيات النساء ومعاناتهن ستحمل لهن الآمال، أم أنَّ التاريخ سيعيد نفسه؟ خصوصًا وعمليّة التحول الديمقراطيّ عبارة عن منظومة قيم ومبادئ والتزامات اجتماعيّة مشتركة بين المواطنين والمواطنات دون تمييَّز في الدين والجنس والعرف واللون..الخ، أو هكذا نفترض.

لاشك أنَّ الميادين قاربت بل وصالحت مؤقتًا بين الجنسين، إلاَّ إنها لا تستطيع تغير واقع النساء الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ في غمضة عين، هناك عمل ضخم وتراكميّ يحتاج إلى جهود نوعيّة للتنظّيمات النسائية والنقابية والسياسية والتيارات الحداثية في إعادة قراءتها لظروف مجتمعاتها خصوصًا في علاقتها مع الإسلام التنويري إنَّ صح التعبير، وعدم الاكتفاء بالتفرج والنقد اللاذع واجترار ذات التحليلات التقليدية حول تخلف الدين أو الارتماء في أحضان أنظمة الاستبداد كمنقذ من هذا الواقع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

  1. المحرر.- المرأة التونسية بعد عامين من الثورة..حريات مهددة ونضال مستمر، 8/3/2013، http://www.dw.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9/s-9106
  2. المحرر.- زهرات الربيع العربي: ثورات الشعوب العربية بلمسات أنثوية.- مركز آفاق للدراسات والبحوث، 17/3/2012، http://aafaqcenter.com/post/1076
  3. تقرير.- BBC المرأة العربية في “الربيع العربي“، 23 نيسان/أبريل 2011،  http://www.bbc.com/arabic.
  4. طرابلسي (فواز).- ثورات بلا ثوّار.- ط1.- رياض الريس للكتب والنشر: بيروت، 2014، ص 14+ 371.
  5. فضل (منى عباس).-التربية السياسية للبحرينيات: الأثر والرؤيا.- ط1.- بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008، ص118-138.
  6. فوزي (سامح).- المشاركة السياسية للمرأة المصرية: السيرة والآفاق.- ط1.- عمان: مركز القدس للدرسات السياسية، يناير 2015، ص21-24.
  7. شعبان (عبدالحسين).- الشعب يريد: تأملات فكرية في الربيع العربي.- ط1.- بيروت: أطلس للنشر والترجمة والإنتاج الثقافي ش.م.م، 2012.
  8. ماضي (عبدالفتاح) وآخرين.- المرأة في خطاب جماعة الإخوان والحركات السلفية العربية؛ مؤتمر المرأة وربيع العرب: عمان بالأردن من 25-26 يناير 2014.
  9. مجموعة خبراء.- وعود الربيع العربي: المواطنة والمشاركة المدنية في مسارات التحول الديمقراطي.-ط1.- بيروت: الأسكوا، 2013، ص 60-61، أنظر الموقع: http://www.escwa.un.org/information/publications/edit/upload/E_ESCWA_SDD_13_3_A.pdf
  10. مجموعة باحثين.- المرأة وربيع العرب: وقائع مؤتمر إقليمي.- ط1.- عمان: مركز القدس للدرسات السياسية، يناير 2015، ص10-11.
  11. مجهول.- تقرير الظل حول اتفاقية القضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة (CEDAW)-مملكة البحرين.- لاط.- البحرين: الاتحاد النسائي البحريني، 2013، ص 7-9.
  12. مجهول.- البيان الختامي: لوقائع مؤتمر المرأة وربيع العرب: عمان بالأردن من 25-26 يناير 2014.
  13. مجهول.- تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، 2011، http://www.bici.org.bh/BICIreportEN.pdf..
  14. عزون (عمار).- ثورات العرب في القرن الحادي والعشرين.- ط1.- دار الفاربي: بيروت، 2013، ص7-22+107.
  15. نعمة (أديب).- الدولة الغنائمية والربيع العربي.- ط1.- بيروت:دار الفارابي، 2014، ص 105-128+289-290.

[1] عمار عزون، ثورات العرب في القرن الحادي والعشرين، ص 107.

[2] تقرير BBC، المرأة العربية في “الربيع العربي”، 23 نيسان/أبريل 2011،  http://www.bbc.com/arabic

[3] مجموعة خبراء في الأسكوا، وعود الربيع العربي: المواطنة والمشاركة المدنية في مسارات التحول الديمقراطي ص 60-61.

[4] مجموعة باحثين، المرأة وربيع العرب: وقائع مؤتمر إقليمي، ص10.

[5] مجموعة باحثين، المرأة وربيع العرب، ص 10.

[6] هيئة الاتحاد الوطني: الحركة الوطنية المعروفة باسم “الهيئة التنفيذية العليا”، بدأ نشاطها كحركة أواخر عام 1953، وتبلورّت بشكل ملموس خلال السنوات 1954-1956. تقدمت لحاكم البحرين بمطالب سياسية لإصلاح نظام الحكم والإدارة بشكل يشارك فيه الشعب في شؤون الإدارة المحلّية مشاركة فعلية. بعد حرب السويس عام 1956 توحّدت إرادة الحاكم مع المعتمد البريطاني للحدّ من نشاطها، فتدخّل الجيش البريطاني لمساندة الحاكم واعتقل خمسة من قادة الهيئة وسجنهم وحاكمهم وصدر قرار سياسي في 23/12/1956 بسجن ثلاثة منهم لمدة 14 عامًا وتمَّ نفيهم إلى جزيرة سنت هيلانة، واثنان منهم أودعو السجن في البحرين لمّدة 10سنوات. (أنظر كتاب: التطوّرات السياسيّة والدستوريّة في دول الخليج العربيّة 1820-2004 لمؤلّفه د.حسين محمّد البحارنة، ص 40-44).

[7] منى عباس فضل، التربية السياسية للبحرينيات: الأثر والرؤيا، ص118-138.

[8] مجموعة باحثين، المرأة وربيع العرب: وقائع مؤتمر إقليمي، ص11.

[9] ميدان اللؤلؤة: ميدان “دوار اللؤلؤة” مثل مركز التجمعات الشعبية الكبيرة في قلب العاصمة المنامة أثناء الانتفاضة، وقد تم هدمه بعد دخول “قوات درع الجزيرة” وفك اعتصام المحتجين بالقوة وإعلان حالة الطوارئ وتطبيق قانون السلامة الوطنية في مارس 2011.

[10] تقرير الظل حول اتفاقية القضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة (CEDAW)-مملكة البحرين، 2013، ص 7-9.

[11] مجموعة باحثين، المرأة وربيع العرب: وقائع مؤتمر إقليمي، ص 11.

[12] أديب نعمة، الدولة الغنائمية والربيع العربي، ص289-290.

[13] عبدالفتاح ماضي وآخرين، المرأة في خطاب جماعة الإخوان والحركات السلفية العربية، مؤتمر المرأة وربيع العرب في عمان بالأردن من 25-26 يناير 2014.

[14] البيان الختامي، وقائع مؤتمر المرأة وربيع العرب، عمان بالأردن من 25-26 يناير 2014

[15] المحرر، المرأة التونسية بعد عامين من الثورة.. حريات مهددة ونضال مستمر، 8/3/2013، http://www.dw.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9/s-9106

[16] المحرر، زهرات الربيع العربي- ثورات الشعوب العربية بلمسات أنثوية، 17/3/2012، http://aafaqcenter.com/post/1076

[17] بشرى بلحاج: أحد رائدات العمل النسائي ومؤسسات الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في 1989، ويشهد بدورها في معارضة النظام في عهد الرئيس المخلوع زين الدين بن علي.

[18] فواز طرابلسي، ثورات بلا ثوّار، ص371.

[19] سامح فوزي، المشاركة السياسية للمرأة المصرية: السيرة والآفاق، ص21-24.

[20] فواز طرابلسي، ثورات بلا ثوّار، ص374-375.

[21] المحرر، زهرات الربيع العربي- ثورات الشعوب العربية بلمسات أنثوية، 17/3/2012، http://aafaqcenter.com/post/1076

[22] فواز طرابلسي، ثورات بلا ثوّار، ص374-375.

[23] اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق: أنشئت في 2011 بقرار حكومي بعد ضغوط دولية وتردي الوضع في فترة السلامة الوطنية، وقد أعُلن عنها في احتفال رسمي رحب فيه الملك بالتقرير وأكد أن البحرين ستنفذ التوصيات التي توحي بإمكانية وجود مخالفات قانونية بحاجة إلى التحقيق والتعديل، وقد ترأسها السيد “شريف بسيوني”، حيث أعدت تقريراً مفصلاً عرف بأسمه عرضت فيه أبرز النتائج والتوصيات. للمزيد انظر التقرير في الموقع الإلكتروني: http://www.bici.org.bh/BICIreportEN.pdf..

[24] تقرير الظل حول اتفاقية القضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة (CEDAW)-مملكة البحرين، 2013، ص 7-9.

[25] http://www.bici.org.bh/BICIreportEN.pdf.