مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي

خالد غزال

ورقة مقدمة إلى منتدى عبد الرحمن النعيمي الفكري الرابع المنعقد في لبنان- مدينة بيروت بتاريخ 16 دسيمبر/ كانون الاول 2016

تقديم:السؤال عن الدولة الوطنية في العالم العربي ومستقبلها في ضوء الانفجارات التي تشهدها المجتمعات العربية هو سؤال مشروع من حيث المبدأ، ولا يستطيع أي عامل في السياسة أو الفكر أن يهرب من مواجهته. ما يجري في المنطقة العربية من تخلّع لبنى الدولة وارتداد المجتمعات العربية إلى عناصر ما قبل الدولة يزيد من حدة السؤال : هل دخلنا في مرحلة الانحلال والزوال، في الدول التي تشهد انفجارات عنفية، أم في الدول المقبلة على هذه الانفجارات، خصوصاً أن عوامل العنف والإحتقان الطائفي والسياسي والاجتماعي تلف كل دول المنطقة العربية، مما يوحي بمرحلة قد لا يكون ما نراه الآن منها سوى “رأس جبل الجليد”، حيث سنكون أمام تطورات لا يمكن منذ الآن التكهن بما ستفرزه مجتمعاتنا من جوفها.

إذا كانت العناصر الداخلية هي العامل الحاسم في قراءة ما يدور في المنطقة، ويحدد المستقبل، فإن كثيرين من علماء السياسة يطرحون موضوع مستقبل الدولة الوطنية بشكل عام، وليس في العالم العربي فقط، استنادًا إلى دور العولمة في الميدان السياسي، وتأثيرها على موقع الدولة القومية نفسها، حيث صدرت مؤلفات كثيرة تبشر بانتهاء دور هذه الدولة لصالح عالم أوسع لا يعود للحدود الجغرافية  فيه من قيمة. على رغم أن العولمة اكتسحت الحدود القومية وفتحت العالم على بعضه وحولته إلى “قرية صغيرة” عبر إلغاء الزمان والمكان إلى حد بعيد، وعلى رغم أن وسائل الاتصال وكل ما هو متعلق بالثورة التكنولوجية قد اخترق المجتمعات وبات يتحكم في تكوين الذهنيات، وعلى رغم الدور الكاسح للشركات العابرة للقارات وسيطرتها على الأسواق العالمية، وإلحاق الأسواق المحلية بمنظومتها، على رغم ذلك كله، فإن العالم يشهد ردة فعل قوية على إلغاء الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، وتشويه الهوية والمس بها، حيث تترجم ردة الفعل هذه بعودة إلى التشبث بالقومية والمحلية دفاعاً عن الذات في وجه منظومة من العولمة المتوحشة على مختلف الصعد. هذا الاستطراد يعيدنا إلى سؤال مستقبل الدولة الوطنية، حيث لا يمكن التبسيط في الحسم بإمكان زوالها.

عامل آخر ينتصب في هذا المجال ويتعلق بالنظام الدولي والمتصل بتكوين الدول. ليس من البساطة إلغاء الحدود لدول وإلحاقها بدول أخرى. يحتاج هذا الإلغاء إلى اجتياحات من دول لأخرى وضم أراضيها بالقوة وفرض نظام سياسي معين. لم ترسم حدود دول المنطقة انطلاقاً من رغبات شعوبها واتفاقات بين مجموعاتها المتكونة منها. رسم الحدود كان بقرارات دولية باتت مكرسة في منظومة الأمم المتحدة، ولها حصانتها الإقليمية والدولية. لذا يصبح السؤال عما إذا كانت الدولة القطرية مهددة بالزوال عليه كثير من علامات الاستفهام. لكن الإبقاء على الحدود لا يعني حماية الداخل من التفكك والإنقسام والتقسيم نتيجة تصارع القوى المحلية، وهو ما تدور حوله اليوم حروب في أكثر من مكان تتجلبب بانفجار الطوائف والإثنيات وسائر مكونات المحتمع. لذا يصبح السؤال مركباً وغير مبسط عن مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي.

يصعب الحديث عن مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي من دون العودة الى الماضي المتصل بتشكل هذه الدول والقواعد التي حكمت قيامها، مرورًا بقراءة هذه الدولة في مرحلة التوحيد الداخلي ومعضلات نهوضها واستقرارها، ثم قراءة مرحلة التراجع في موقع الدولة الوطنية بعد انهيار المشروع النهضوي بحدوده المعروفة خصوصاً في أعقاب هزيمة حزيران 1967، وصولاً إلى مرحلة الانفجار الذي تشهده بعض هذه الدول منذ أكثر من خمس سنوات، في أسبابه وتعبيراته. ختاما، وفي ضوء معطيات الماضي والحاضر هذه يمكن الحديث عن مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي، بشروطه ومقوماته وتحدياته وصعوباته.. من دون أن يقع الباحث في العدمية أو من دون أن تأخذه الحماسة التفاؤلية فيقع في التضخيم.

تجنح قوى سياسية وقراءات فكرية في تفسير الاضطرابات الداخلية التي تشهدها الدول العربية إلى تحميل اسرائيل والمشروع الأميركي المهيمن مسؤولية هذا الخلل في مجتمعاتنا. لا أحد ينكر الدور الذي لعبته اسرائيل ولا تزال في عدم استقرار المنطقة العربية، كما لا أحد إلاّ ويأخذ في الاعتبار السياسات الإستعمارية للغرب في التدخل في شؤون البلدان العربية ونهب ثرواتها وتكريس نظم وحكام تابعين لها.. لكن في المقابل، يجب القول، وهو ما ستلتزم به هذه الورقة، أن الداخل وتطوراته وتناقضات المجتمع والسياسات المتبعة على مختلف الصعد، تظل العنصر المقرر في مسار أي دولة من الدول. يصعب على الخارج أن يمارس تأثيره التدميري للبنى الاجتماعية والسياسية من دون أن يجد الممرات الداخلية اللازمة لهذا التدخل والتأثير، وهو أمر يمكن ملاحظته في كل بلد عربي من دون استثناء. لذا يحتل الداخل المركز الأساس في القراءة والتحليل، وسيشار إلى الدور الخارجي الذي تمثله اسرائيل والاستعمار الأميركي وغير الأميركي، عندما يستدعي الأمر ذلك.

وفق هذا المنهج سيتم التوقف في هذه الورقة أمام القراءة التاريخية التي لا تهدف الى التأريخ بحد ذاته، بمقدار ما ترى أن هذا التأريخ هو شرط أساسي لتحديد معالم المستقبل، خصوصا أن الماضي في مجتمعاتنا العربية ليس ماضيا قد أفل، فهو ما زال يمسك بتلابيب حاضرنا ويقود مجتمعاتنا ويحدد مصير شعوبنا في المستقبل، وليس انفجار الإسلام إلى تنظيمات مسلحة تريد العودة بمجتمعاتنا إلى مئات قرون خلت سوى واحد من الأمثلة التي تؤكد على دور هذا الماضي في تقرير مصيرنا الراهن والمستقبلي.

أولاً ــ في تشكيل الكيانات العربية في أعقاب الحرب العالمية الأولى

باستثناء مصر التي كانت تشكل كياناً قائماً بذاته، يمكن القول أن الكيانات العربية تشكلت عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى، وعلى يد القوى الغربية التي انتصرت على المحور الالماني التركي، فتقاسمت تركة “الرجل المريض”. لعل أبرز الاتفاقات التي ما تزال حتى اليوم محور نقاش هي اتفاقات سايكس – بيكو التي أدت إلى تشكيل الكيانات اللبنانية والسورية والعراقية، ورسمت حدود كيانات أخرى في المشرق العربي، وكذلك وعد بلفور الذي أعطى الحركة الصهيونية وعدًا بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.

اتفاقات سايكس بيكو

بداية لا بد من تصفية الحساب مع النقاش المبتور الذي ما يزال يدور داخل الفكر العربي وبين النخب السياسية والمثقفة حول اتفاقات سايكس بيكو ومسؤوليتها عن التجزئة العربية ومنع قيام دولة الوحدة العربية، وصولا إلى تحميل هذه الاتفاقات مسؤولية انفجار الدولة الوطنية في المرحلة الراهنة من تطور المجتمعات العربية.

لقد أعادت الذكرى المئوية لاتفاق سايكس – بيكو عام 1916 النقاش حول مسؤولية هذا الاتفاق عن المصير الذي يضرب المنطقة العربية راهناً من تقسيم وشرذمة وحروب أهلية متناسلة. من الضروري النظر ملياً إلى هذا النقاش لتبيان ما هو حقيقي في مضمونه وما هو عملياً خارج الموضوع بل مسيء للعقل العربي جملة وتفصيلاً. ما هو حقيقي أن الاتفاق البريطاني الفرنسي أتى في سياق مشروع السيطرة الأمبريالية على المنطقة واقتسام تركة “الرجل المريض” وتوزيع الحصص في سياق استعمار البلدان العربية. وما هو حقيقي أيضاً أن الاتفاق أتى يضرب عرض الحائط وينكث بوعود بريطانية للعرب بإعطائهم الاستقلال وإقامة دولتهم العربية في بلاد الشام والجزيرة العربية.

لكن ما ليس بحقيقي هو اتهام الاتفاق بتجزئة المنطقة العربية وتركيب أوهام عن الوحدة العربية القائمة. ما قام به الاتفاق أسس لكيانات عربية عبر ضم وإلحاق وإلصاق على قاعدة موروثات قائمة في المنطقة، طائفية وعرقية وإثنية، فبنى عليها هذه الكيانات الهجينة ونصّب فرنسا وبريطانيا أوصياء  تحت تسمية الانتدابات. ما يجب التذكير به أن المشروع الاستعماري البريطاني الفرنسي لم يجد أمامه دولة موحدة فعمد إلى تجزئتها كما يسود لدى نظريات قومجية كانت ولا تزال سائدة. المشروع الاستعماري وجد أمامه تجزئة عربية فبنى عليها وعمّقها وأعطى بعضها شكل دول بصرف النظر عن المقومات اللازمة لبناء الدولة. لقد عمد الاستعمار إلى تظهير عناصر التجزئة الموجودة أصلاً، فأعاد تركيبها وتفصيلها ضمن كيانات يغلب على كل واحد منها وظيفة محددة. لذا يمكن أن نرى كيانات ذات وظيفة اقتصادية، وأخرى ذات وظيفة سياسية، وبعضها ذات وظيفة استراتيجية، وجميع هذه الوظائف تندرج في سياق مشروع السيطرة الإستعمارية المتعددة الأوجه على المنطقة العربية.

لكن النقاش الذي يغيب عن كثيرين ما يزالون يعيشون قرناً إلى الوراء، أن هذه الكيانات تحولت على امتداد عقود إلى دول فعلية لها مجتمعاتها ودساتيرها وقوانينها المحلية وعلاقاتها الدولية والعربية، وخاضت نضالاً ضد دول الاستعمار الانتدابي ونالت استقلالها. أي باختصار باتت هذه الكيانات تحوي أرضاً وشعباً وسياسة، أي كل مقومات الدولة باتت في متناول يدها. مما يجعل السؤال الحقيقي المطروح : لماذا انفجرت هذه الدول بعد قرن من الزمان، وهو انفجار حاصل لدى بعضها، فيما تنتظره دول أخرى؟ ولماذا عجزت هذه الدول عن إنجاز وحدتها الداخلية قبل أن تجد نفسها في أتون الصراعات المحلية؟ ولماذا عجزت الكيانات العربية عن قيام وحدة بين أقطارها فيما يدعي ساسة ومثقفون بأن اتفاق سايكس بيكو جزأ هذه الوحدة؟ ثم لماذا انهارت وتنهار هذه الدول والكيانات لصالح انبعاث العصبيات الطائفية والعشائرية والقبلية والإثنية؟ وأخيرًا، لماذا استعصت المجتمعات العربية على الحداثة؟ تلك هي الأسئلة التي تطرحها مئوية سايكس بيكو، وليس ذلك النحيب المؤامراتي الذي يريد أن يلصق مآسي مجتمعاتنا العربية باتفاق مضى عليه قرن من الزمان ولم يعد المطروح ما قام به بمقدار أن ما هو مطروح مسؤولية مجتمعاتنا ونظمنا السياسية عن المصير الذي تعيشه المنطقة العربية اليوم.

الخطة الأمبريالية لإعادة تشكيل وتكوين كيانات المنطقة

استند مشروع السيطرة الإستعمارية على المنطقة، كما ترجم نفسه بين الحربين العالميتين الأولى والثانية،  إلى التجزئة القومية السائدة فيها، وإلى العمل عبرها في تشكيل الكيانات العربية. فهذا المشروع كانت له وظائف محددة واستهدافات متعددة، كما كانت له أدواته في طبيعة البنى القائمة وفي حدود تكوّن القوى السياسية المطلوبة لقيادة هذه الكيانات. يطرح العنصر الاقتصادي في وصفه العنصر الأساس والمقرر للسيطرة الإستعمارية على المنطقة، وهو أمر صحيح بالإجمال. لكن هذا العنصر الاقتصادي يشترط لنجاحه أن يكون مسيّجا بجملة عناصر غير اقتصادية من أجل استمراريته.

قامت وجهة السيطرة الاستعمارية على المنطقة في جانبها الاقتصادي على وجهين متلازمين، الأول هو نهب الثروات العربية بشكل منتظم، وهي ثروات تتضمن مواد أولية لعل النفط أبرزها، والثاني يقوم على إلحاق الأسواق العربية بالأسواق الرأسمالية العالمية. كانت موارد المنطقة تغذي الأسواق الرأسمالية، وتذهب أموالها إلى جيوب الشركات الرأسمالية العاملة، ولم تدخل في الدورة الاقتصادية الداخلية وفي تنمية البلدان العربية سوى القليل والزهيد من أموال هذه الموارد. هذا العنصر الاقتصادي تطلب أن تقوم الدول الاستعمارية، من أجل حمايته وضمان استمراريته، بإخضاع دول المنطقة إلى استعمار عسكري وسياسي مباشر، اتخذ بعضها صيغة انتدابات تلطيفا لكلمة استعمار، كما أجبرت هذه الكيانات على توقيع اتفاقيات سياسية وعسكرية تضمن السيطرة على مصادر الإنتاج والنقل والتصدير، والتكرير لمنتجات النفط.

إضافة إلى الدور الاقتصادي الخاص لمشروع السيطرة الإستعمارية، كان هذا المشروع يرى في المنطقة العربية وظيفة تساعد على تأمين النهب الاقتصادي لموارد المستعمرات وسائر الدول في آسيا وأفريقيا، حيث اعتبرت المنطقة بمثابة طرق مواصلات ضرورية جدًا لتأمين أهداف هذه السيطرة. كما كانت للمنطقة في نظر الاستعمار وظيفة استراتيجية تساهم عبرها بحصار الإتحاد السوفياتي ومعه المعسكر الإشتراكي. هذه الأهداف تستوجب أن تخضع دول المنطقة إلى تبعية سياسية تتوج التبعية الاقتصادية والعسكرية.

كان على الاستعمار الإعتماد على عناصر غير إقتصادية، موجودة أصلاً ومتجذرة في المنطقة العربية، من تكتلات قبلية وعشائرية وسلالات أرستقرتطية، ومن أعراق وإثنيات طائفية متنوعة، وربط هذه العناصر بمجموعات حاكمة ارتهن وجودها بمقدار ولائها وتبعيتها للهيمنة الإستعمارية. ضمن هذا المسار جرى إنشاء كيانات في المشرق العربي وفي الخليج.

لم يكتف الاستعمار بإعادة تركيب التجزئة العربية في كيانات معينة، بل خلق في المنطقة العربية مسألة كيانية هي مسألة المسائل في الكيانات العربية القائمة، وهي عملية اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه تنفيذا للمشروع الصهيوني في إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين. كان إنشاء اسرائيل أحد المكونات الأساسية لمشروع السيطرة الإستعمارية على المنطقة العربية، فمن أجل حماية مواقع السيطرة هذه، يتوجب حضور عسكري دائم تؤمنه دولة إسرائيل، وبما يمنع قيام دول قوية في المنطقة يمكن لها أن تهدد مصالح الاستعمار، وبهذا المعنى لعبت إسرائيل دورًا في منع عمليات التوحيد العربية، وخصوصا في عزل مصر عن المشرق العربي.

هكذا نشأت “الدول الوطنية” في كنف السيطرة الإستعمارية، يحمل كل كيان ألغاما داخلية قابلة للإنفجار في كل لحظة، يمنع انفجارها التبعية السياسية للقوى الحاكمة وولائها المطلق لشروط السيطرة. وهو أمر سيتبدى عند الحديث على كيفية مجريات التوحيد الاجتماعي التي جرت على امتداد العقود اللاحقة، وكيف استخدمت هذه الألغام في إعاقة الاندماج الاجتماعي. ما نخلص إليه من كل ذلك إنما يهدف إلى الإضاءة على الوضع الراهن وكم تجاوزت “الدول الوطنية العربية” معوقات النشأة والتأسيس، وكم ظلت هذه المعوقات تشد المجتمعات العربية إلى الوراء من جهة، وتساعد في انفجارها من جهة أخرى.

ثانيا ــ الدولة الوطنية في مرحلة النهوض والإستقرار

تكونت الدول الوطنية العربية، على تفاوت أحجامها ومواقعها، على امتداد ثلاثة عقود تقريباً، حصلت خلالها تطورات على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية. طرحت النخب الحاكمة مشاريع تنموية، نجح بعضها وأخفق بعضها الآخر، واذا كانت المحصلة وقفت عند مراوحة في مشاريع النهوض، فإن التصدع في بنى الدولة كان مقدمة لانهيار وإطاحة بالمقومات الإيجابية التي بنيت.

بناء دولة

شكل المشروع الناصري، بما هو مشروع تحرر قومي وتصدِ للاستعمار وتحرير الأراضي المحتلة في فلسطين، والإصلاح الاقتصادي والزراعي وبناء دولة حديثة على قاعدة المساواة بين المواطنين والوعود بالديمقراطية والحرية الساسية والفكرية والإعلامية.. شكل نموذجاً استلهمته معظم الدول الوطنية الناشئة في العالم العربي. وعلى قاعدة هذا البرنامج تكونت دول ذات منظومات حديثة وفق منطق عناصر الدولة، من إدارات وتشريعات ومؤسسات، والأهم من كل ذلك الجيوش. ما يشكل قاسماً مشتركاً في تلك المرحلة هو التغير في مواقع السلطة حيث قامت نخب من العسكريتاريا العربية بالاستيلاء على السلطة وأقامت انظمتها العسكرية. هنا لا بد من القول إن أهم إنجازات تلك المرحلة تمثل بقيام الدولة على حساب العصبيات والإثنيات القائمة. وقيام الدولة في كل مكان هو عنوان للحداثة في المجتمع. يبقى السؤال عن كيفية بناء هذه الدول في المنطقة العربية، وكيف ظهر أن هذا البناء بمكوناته كان يحمل في جوفه عناصر الفشل أو المحدودية، وبالتالي كان مقدمة لانفجار هذه الدول الوطنية في العقود اللاحقة.

 

أ ــ بناء أنظمة استبدادية

لعل أهم نجاح حققته النخب التي استولت على السلطة من العسكريتاريا العربية هو إقامة دول أمنية، بحيث وظفت معظم موارد البلاد لبناء منظومة عسكرية، من الجيوش، وأجهزة الأمن والمخابرات. استخدمت خطاباً قومجيا أساسه أن هذه الجيوش وحجم الإنفاق عليها، من أجل تحرير فلسطين واستعادتها إلى أهلها. لكن هذه الأنظمة العسكرية والأمنية نجحت في ميدان وحيد هو التسلط على المجتمع وممارسة أقصى أنواع القهر ومنع المعارضات من التكون والفعل، فأرسلت المعارضين إلى القبور وإلى السجون وإلى المنافي. هذا النظام الاستبدادي الذي لم تنج منه دولة من الدول الوطنية العربية مسؤول مسؤولية أساسية عن الفشل الذي منيت به هذه الأنظمة بعد عقود على هيمنتها على السلطة.

ب ــ حدود مشاريع التنمية

سعت سلطات الدولة الوطنية إلى إقامة مشاريع تنموية في ميادين الإصلاحات الاقتصادية عامة، والإصلاح الزراعي في أكثر من مكان، ومحاولة تعميم التعليم على مختلف مستوياته، والعمل لتأمين فرص عمل والحد من البطالة. لا يمكن إنكار الإيجابيات المتحققة في هذا المجال. لكن مشاريع التنمية هذه سرعان ما راوحت مكانها بسبب عجز الطبقات الحاكمة عن استكمال مشاريع الإصلاح المطروحة. هذه المراوحة هي في حقيقتها عنوان للعودة إلى الوراء وإلى زوال المكتسبات المتحققة. بعد عقود من السلطة تكشفت المجتمعات العربية عن لوحة مريعة من التراجع، لعل أهم مظاهرها تتمثل في الآتي :

 أشار تقرير صدر عن “اللجنة الإقتصادية والإجتماعية لدول غرب آسيا” (الإسكوا) خلال العام 2010، تناول واقع التعليم في العالم العربي، إلى تحسن نسبي في انخفاض معدل الذين يجهلون القراءة والكتابة، لكنه أكد، في المقابل، أنّ حجم الأمية لا يزال مرتفعاً ويسجل أرقاماً تصل إلى 40% من سكان العالم العربي. قبل تقرير “الإسكوا”، ورد في تقرير “المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم” (الأليسكو)، ان نسبة الاميين العرب هي في حدود 60-70 مليون مواطن، فيما سجل “تقرير التنمية البشرية” للعام 2009 أنّ نسبة غير المتعلمين وغير القادرين على القراءة يتجاوز 65 مليون مواطن. تجمع التقارير المشار إليها على أنّ نسبة النساء الأميات تتجاوز الخمسين بالمئة من الأعداد الواردة في حد أدنى، وتتفاوت بين قطر عربي وآخر بحيث تصل في بعض الاقطار إلى نسبة 80% من العدد المقدر.

يدلل هذا الرقم على جملة مؤشرات تتصل بموقع العالم العربي من التقدم، تفضح هذه الارقام حول الأمية، السياسات العربية في ميدان التعليم وحجم الإنفاق عليه، ومدى إيلاء الإهتمام لهذا الجانب الحيوي في مشاريع التنمية.

يؤثر حجم الأمية المرتفع على مشاريع التنمية التي يمكن لبلد عربي الإنخراط فيها، بالنظر إلى أنّ نصف السكان، على الأقل،  سيكونون بعيدين عن المشاركة فيها. في السياق ذاته، يؤدي حرمان المرأة من التعليم فقدانها لجانب أساسي يتصل بحقوقها المساوية للرجل. فالأمية عند المرأة تمنعها من الدخول إلى سوق العمل، ومشاركة الرجل في تحمل المسؤولية، ويخل بموقعها في علاقتها بالرجل ومدى الإستقلالية التي يوفرها التعليم والعمل، كما يحرمها حق المساواة معه في كافة الشؤون المدنية والسياسية. يعزز جهل المرأة هيمنة المجتمع الذكوري السائد في عالمنا العربي، ويعطي حجة للقائمين عليه باستحالة إشراك المرأة وإعطائها حقوقها كاملة، فيما هي لا تملك عملياً القدرة على استخدام هذه المساواة في حياتها العامة والخاصة.

ينجم عن انتشار الأمية بهذا العدد الضخم نتائج اجتماعية وفكرية خطيرة تتصل بالأفكار السائدة ونوع “التثقيف” الذي تخضع له الشعوب العربية.  تؤدي الأمية إلى سيادة “الوثوقية” بالسلطة التي تحتكر نشر الفكر، خاصة منها سلطة رجال الدين. ويترتب على مثل هذا الإنقياد الأعمى نتائج من أخطرها التحول إلى الإرهاب والتطرف. فالأمية مجدولة بـ “الفكر” الغيبي والخرافي تشكل بحراً تغرف منه حركات التطرف الأصولية، وأرضا خصبة لنمو الإرهاب المتعدد الوجوه..(  غزال، خالد، البؤس النهضوي، مسائل ثقافية من زمن الهزيمة، خالدغزال، دار النهضة العربية، بيروت، 2013 ص26)

ج ــ معضلة الاندماج الاجتماعي

ليست المجتمعات العربية فريدة في بابها لجهة الإنقسامات الداخلية بين بناها ومكوناتها الاجتماعية، فتاريخ الدول إجمالاً هو تاريخ انقسام وتقسيم وتوحيد مجتمعاتها وتحقيق الاندماج الاجتماعي فيها. كيف حصلت عملية التوحيد في مجتمعاتنا العربية وما الطريق الذي سلكته، مسألة لا علاقة لها بمسؤولية اتفاق سايكس بيكو. فالدول التي نجحت في تحقيق وحداتها الداخلية وحققت اندماجاً اجتماعياً، اعتمدت على تسويات داخلية انطلاقاً من الإعتراف بحقوق المجموعات التي يتكون منها البلد، واستطاعت تباعاً أن تحل محل الإختلاف والتناقض نوعا من التقارب وصولاً إلى وحدة نسبية بين مكوناتها. في كياناتنا العربية، خصوصاً بعد مرحلة الاستقلال حيث المسؤولية باتت تقع على النخب العربية التي أمسكت بزمام السلطة، فإن عملية الاندماج قامت على قاعدة قهر وسيطرة أكثرية أو أقلية على سائر المكونات. والمشترك في عالمنا العربي، أن الأكثرية عندما تحكمت، مارسات استبدادًا واغتصاباً لسائر حقوق المجموعات الأخرى، والأمر نفسه بالنسبة للأقلية التي مارست استبدادًا أشد على الأكثرية وعلى سائر المجموعات. لقد بدا واضحاً أن الاستبداد لا يحقق الإندماج الاجتماعي، بل يؤجل الإنفجار إلى مرحلة لاحقة، وهو ما يشهد عليه العالم العربي اليوم في بعض أقطاره، حيث تنفجر المجتمعات وتتحول إلى تناحر  أهلي دموي بمجرد إزالة بلاطة الاستبداد عن وجهها.

د ــ الوحدة العربية

لا يزال الفكر السياسي  العربي ينطلق من مقولة غياب الوحدة العربية كعامل مقرر في الانقسام العربي والعجز عن مواجهة المعضلات والمصاعب الداخلية والخارجية. يعتبر هذا الفكر أن الوحدة العربية أمر بديهي ويعزو عدم تحققها إلى المؤمرات الخارجية والأطماع الإستعمارية. يغيب عن هذا المنطق والنهج في القراءة أن التجزئة العربية هي الأساس وليس الوحدة، وأن أي نقاش في واقع العالم العربي يجب أن ينطلق من رؤية هذه التجزئة وتجذرها في المجتمعات العربية، بحيث يتوجب قراءة عوامل استمرارها وهيمنتها كشرط أساسي لفهم الأسباب التي منعت وما تزال وصول العالم العربي إلى تحقيق حد أدنى من مكونات توحيدية. وهو أمر يستدعي قراءة في الخطاب السياسي العربي حول الوحدة، والنظر إلى المشاريع الوحدوية التي قامت على امتداد خمسين عاماً، لتبيان الأسباب الداخلية والخارجية التي أعاقت نجاح هذه الوحدات، وصولاً إلى السؤال الراهن – المقبل حول شروط قيام هذه الوحدة.

يعود شعار الوحدة العربية إلى نهايات القرن التاسع عشر واستمر مرفوعاً على امتداد القرن العشرين. تمحور مضمونه حول أن هذه الوحدة تساهم في خلق دولة عربية واحدة تستطيع، إذا ما وظفت مواردها الضخمة، وضع الأمة العربية في مصاف الدول المتقدمة، وتزيل التخلف الذي تقيم فيه الدول العربية سواء في الميدان الاقتصادي أو العلمي والتربوي أو في مجال الإصلاحات السياسية. وتركز الشعار حول كون هذه الوحدة ستمكن الأمة العربية من مواجهة المشاريع الاستعمارية الخارجية المتمثلة في الاستعمار والمشروع الصهيوني بما يؤمن لهذه الشعوب التحرر والاستقلال. على امتداد قرن، تنوع الخطاب الوحدوي وتفاوت في طروحاته وأهدافه بما يعكس الخلفية الفكرية التي كان ينطق كل طرف من خلالها، بحيث سادت ثلاثة خطب رئيسية: الخطاب القومي العربي، الخطاب الإشتراكي ثم الخطاب الإسلامي.

يشكل الخطاب القومي العربي الذي مثلته الناصرية وحزب البعث وحركة القوميين العرب الخطاب الأكثر هيمنة على امتداد نصف قرن. اخترق شعار الوحدة البرامج السياسية وكان في صلب المقومات الفكرية لهذه المشاريع. ما يزال شعار البعث “وحدة، حرية، اشتراكية” شعارًا مركزياً حتى اليوم. وما زالت بقايا القوى الناصرية تهزج بشعار “حرية، اشتراكية، وحدة”، كما ما تزال الأطراف ذات الإنتماء القومي العربي تضع في رأس مطالبها قضية الوحدة. مع الإشارة إلى أن هذا الخطاب كان في عقود مضت يستقطب الملايين من الجماهير العربية، فيما فقد وهجه منذ عقود خصوصا بعد هزيمة حزيران 1967.

تكمن معضلة الخطاب القومي العربي من كونه يلتزم مقولة ثابتة ترى الأمة العربية أمة ناجزة التكوين بل هي قائمة ومتحققة منذ السيطرة العثمانية، بل يذهب بعض منظري الخطاب إلى تنسيب ورسوخ التكون القومي إلى قرون سابقة على إطلاق شعار الوحدة القومية. يعتبر أصحاب هذا الخطاب أن التجزئة فعل استعماري هدف إلى منع قيام الوحدة. يكمن الخطأ هنا في جهل لمكونات المجتمعات العربية التي تسودها العصبيات التقليدية ذات السمة العشائرية والقبلية والإثنية والطائفية. ويتجاهل هذا الخطاب أيضاً أن الأصل في الواقع العربي هو التفتت والتجزئة، وهو لم يعرف يوما هذه الوحدة “الموهومة” التي أسقطها الخطاب القومي على العالم العربي وحسم بأن الأمة قائمة ومتكونة فيه على أكمل وجه.

تسود في الخطاب القومي العربي نظرية المؤامرة الاستعمارية التي جزأت المنطقة العربية وأقامت فيها دويلات وكيانات منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وعبر اتفاقات “سايكس-بيكو”. لم يقسّم الاستعمار المنطقة العربية، بل بنى على واقع مجزأ في الأصل، وركب كيانات ذات وظائف متعددة بما يتوافق مع استراتيجيته ومصالحه، وسيّجها بأنظمة استبدادية محلية وبحراسة عسكرية مباشرة أو عبر زرع المشروع الاستيطاني الصهيوني. هكذا يغيب عن الفكر القومي إجمالا تجاهل أن واقع التجزئة القائم وطبيعة بنى المجتمعات العربية شكلت العامل الرئيسي في نجاح الاستعمار وتضخيمه للتجزئة العربية. لا يمنع هذا من الإشارة إلى أن محاولات وحدوية غالبت هذا الواقع وسعت إلى قيام وحدات سرعان ما كان الاستعمار الفرنسي والبريطاني يطيحان بها من خلال الاعتماد على القوى العربية الداخلية. (جرت الإشارة الى هذه المسائل في الفقرة الأولى من هذه الورقة)

يضاف إلى هذه العناصر مسألة أساسية تتصل بالنظرة الشوفينية للفكر القومي العربي والتعصب الأعمى تجاه رفض الإعتراف بخصوصيات المجتمعات العربية واعتبار كل من لا يعتمد هذا الفكر وفق الطرح السائد عميلاً للاستعمار أو مناهضا للوحدة. ظل هذا الخطاب داعياً إلى الوحدة الاندماجية بين أقطار الوطن العربي من دون الأخذ بمدى توفر شروط التوحيد سواء على صعيد البنى القائمة أو على مدى نضج المجتمعات للانضمام لمثل هذه الوحدة. وهو خطاب خلق توجساً في كل بلد يضم اثنيات وأعراق ذات خصوصية محددة. سيشكل هذا الخطاب غير الديمقراطي تجاه البنى القائمة واحدًا من عناصر رفض المشروع الوحدوي وتمسك الأقليات بالكيانات القطرية القائمة التي تضمن لها على الأقل عدم انصهارها وذوبانها وسط الغالبية السائدة.

يتقاطع الخطاب الإشتراكي تجاه الوحدة مع الخطاب القومي العربي في اعتبار العالم العربي منجز التكوين كأمة ومجتمع موحد، بما يعنيه من وجود طبقات متعددة وفق التحليل الماركسي لبنى المجتمعات. غلبت النظرة “الطبقوية” على رؤية التناقضات المجتمعية وجرى الأخذ بنظرة ترى أن المنطقة العربية ساحة اصطراع طبقات أولاً وآخرًا. تفاوتت نظرة اليسار تجاه الوحدة، فقد نظر اليسار  بمرجعيته السوفياتية والكلاسيكية إلى موضوع الوحدة العربية بوصفها امتدادًا لنظرة قومية ترفعها البورجوازية وتهدف من ورائها حرف النضال الطبقي وتحويره عن مجراه الأممي بما يمنع إقامة السلطة العمالية بقيادة البروليتاريا. مقابل هذه النظرة المضادة لمنطق الوحدة والتي وجدت ترجمتها في معارضة الوحدة السورية المصرية عام 1958، اعتمد اليسار من المنابت القومية وجهة تدعو إلى بناء الدولة الإشتراكية مؤكدة أن طريق الإشتراكية عربي بامتياز، مما عنى التزام الوحدة كشرط للوصول إلى هذه الدولة بقيادة الطبقة العاملة.

مقابل الخطابين القومي واليساري، كان للخطاب الإسلامي موقعه في الماضي، وما يزال متصاعدًا راهناً ولا يتوقع له انحسار مستقبلاً. يقوم الخطاب الإسلامي على رفض الدعوات الوحدوية كما قال بها الخطابان القومي واليساري، ويرى هذا الخطاب أن الدعوة لوحدة العالم العربي تتجاهل أن هذا العالم هو جزء من الأمة الإسلامية الواسعة والتي يشكل الوطن العربي أحد مناطقها. فالإصرار على الدعوة الوحدوية تتسبب في تفريق المسلمين وتعطي حقوقا متساوية لغير المسلمين بما يشركهم في السلطة، وهو أمر يتنافى مع الإسلام. بديلاً عن الوحدة العربية يرى الخطاب الإسلامي أن الدعوة الحقيقية هي لإعادة الخلافة كما كانت قبل أن يلغيها مصطفى كمال في تركيا مطلع القرن الماضي. عرف الخطاب الإسلامي مراحل انكفاء في الخمسينات والستينات عندما كان المد القومي صاعدًا وكانت الدعوة إلى الوحدة تلهب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج. ساهمت الهزائم التي مني بها المشروع القومي العربي وأدت إلى تراجع الخطاب الوحدوي في انتعاش الخطاب الإسلامي الذي قدم نفسه بديلاً منقذا للأمة العربية- الاسلامية في دعوة “ما فوق قومية” تجد صداها في انبعاث الحركات الإسلامية خصوصاً الأصولية منها وسعيها إلى الاستيلاء على السلطة في كل مكان. (غزال خالد، المجتمعات العربية المأزومة وإعاقة الحداثة المركبة، دار الطليعة، بيروت، 2008، ص82).

تعود المشاريع الوحدوية العربية إلى مطلع القرن العشرين وبالتحديد مع إعلان الشريف حسين ثورته على الدولة العثمانية. أعطت بريطانيا وعودًا له بتحقيق الوحدة العربية لبلاد الجزيرة العربية والمشرق ثمناً للتحالف معها خلال الحرب العالمية الأولى، لكن بريطانيا ومعها فرنسا لم تكونا في وارد أي توحيد عربي، بل على العكس من ذلك، ففيما كانتا تغدقان الوعود على العرب بتحقيق مطالبهم، كانتا ترسمان خرائط اقتسام المنطقة في ما بينهما، وهو ما تحقق خلال الحرب وبعدها، فوضعت بلدان تحت الانتداب البريطاني وأخرى تحت الانتداب الفرنسي، وأعطت بريطانيا وعدا باقامة دولة لليهود على ارض فلسطين. هكذا تبخر حلم الوحدة وتكرست التجزئة القائمة أصلا.

تجدد مطلب الوحدة بعد الحرب العالمية الثانية ضمن الشعارات نفسها الداعية إلى التحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقلال وصولاً إلى الوحدة الشاملة، وترافقت هذه المرة مع صعود للتيار القومي العربي الداعي إلى تحقيق الوحدة فورًا. بين الاربعينات والتسعينات من القرن الماضي جرى تسجيل حوالي 28 مشروعا للوحدة بين مجموعات من الدول لم يتحقق منها سوى القليل، ما لبث أن انفرط عقده سريعاً.

بدأت المشاريع الوحدوية بمعاهدة الأخوة والتعاون بين الأردن والعراق عام 1947، ومشروع ناظم القدسي رئيس وزراء سوريا لاتحاد الدول العربية عام 1951. في العام 1952 جرى توقيع اتفاق بين مصر والاستقلاليين في السودان، وفي العام 1955 وضع ميثاق عسكري بين مصر والمملكة العربية السعودية، وفي العام 1957 وقعت اتفاقية التضامن العربي بين الأردن والسعودية والعراق. في العام 1958 قامت وحدة بين مصر وسوريا شكلت المشروع الفعلي آنذاك واندمج البلدان تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة، والتي لم تستمر سوى ثلاث سنوات ليجري الانفصال بينهما في العام 1961. في العام 1964 وقعت اتفاقية التنسيق السياسي بين العراق والجمهورية العربية المتحدة (مصر حصرا)، وفي العام نفسه جرى توقيع اتفاقية بين مصر واليمن. في العام 1965 اعلن البيان المشترك للقيادة السياسية الموحدة المصرية- العراقية، وفي العام 1967 وقعت اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والمملكة الأردنية الهاشمية، تبعها في العام نفسه بروتوكول انضمام الجمهورية العراقية لاتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والأردن. على صعيد الخليج العربي، وقعت اتفاقية اتحاد أبو ظبي ودبي عام 1968 وتبعها في العام نفسه البيان المشترك لاتحاد الامارات العربية في الخليج العربي، واستكمل باعلان اتحاد امارات الخليج العربي. في العام 1972 صدر بيان حول الوحدة بين مصر وليبيا، وفي العام 1976 جرى إنشاء قيادة سياسية موحدة بين مصر وسوريا، تبعه في العام نفسه انضمام السودان إلى هذه القيادة. وفي العام 1978 جرى توقيع ميثاق العمل القومي المشترك بين سوريا والعراق، وفي العام 1980 أعلن قيام الوحدة الاندماجية بين سوريا وليبيا.

 أما في دول المغرب العربي، فقد تم توقيع معاهدة إخاء ووفاق بين تونس والجزائر عام 1983، كما وقعت معاهدة الإتحاد العربي الإفريقي بين المملكة المغربية وليبيا. وفي العام 1984 جرى توقيع بيان وحدوي بين تونس وليبيا، ثم ميثاق الإخاء بين مصر والسودان عام1988. أما على صعيد الاتفاقات الوحدوية في الجانب الاقتصادي، فقد أنشيء مجلس التعاون العربي بين مصر والأردن والعراق واليمن عام 1989، تبعه في العام نفسه إنشاء اتحاد المغرب العربي بين المغرب وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا. وكانت خاتمة المحاولات الوحدوية ما نصت عليه معاهدة الأخوة والتنسيق بين لبنان وسوريا عام 1991.

يطرح هذا العرض والاستطراد أسئلة على المجتمعات العربية، أنظمة سياسية وقوى حزبية ومؤسسات مدنية، مسألة  تتعلق بعدم قيام الوحدة أو الوحدات العربية رغم المحاولات المتعددة.  إذا كان اتفاق سياكس بيكو متهماً بمنع تحقيق الوحدة العربية، فلماذا لم تتحقق هذه الوحدة بعد أن نالت الدول العربية استقلالها؟ لا أحد ينكر أن مشاريع وحدوية جرت إقامتها فشلت فشلاً ذريعاً لأنها افتقدت إلى التوافق بين شعوب البلدان المدعوة إلى الوحدة. فالمشاريع الوحدوية لم تكن سوى مشاريع تسلّط بلد على آخر وقهر شعب لشعب آخر، لذا لم يكن غريباً أن تفشل ويصبح الطموح في كل قطر هو الانكفاء على نفسه، وإدارة علاقات عامة مع الجيران. إن وحدة لا تعتمد على توافق الشعوب ديمقراطياً يستحيل أن تحقق النجاح. وهنا سر فشل مشاريعنا الوحدوية.

ثالثا ــ الدولة الوطنية في مرحلة التراجع : انهيار المشروع النهضوي ونتائجه

يعتبر معظم الدارسين لمسار تطور الدولة الوطنبة العربية، وبالتالي مراوحتها ثم انحدارها، أن زمن هزيمة حزيران 1967 شكلت مرحلة مفصلية في تاريخ المنطقة العربية. أتت الهزيمة تتوج فشل المشروع النهضوي الذي كانت ملامحه تتبلور تباعاً منذ خمسينات القرن الماضي، وأمكن للدولة الوطنية أن تحقق من خلاله إنجازات غير قليلة. انهزمت الجيوش العربية أمام اسرائيل في حرب الأيام الستة، لكن الهزيمة لم تكن هزيمة عسكرية فقط. كانت هزيمة مجتمعية كاملة، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة، وموقع الأحزاب السياسية وفكرها وممارستها.. كانت عوامل فشل المشروع النهضوي تتراصف تباعا وتنخر البنى الاجتماعية القائمة، إلى أن كشفتها الهزيمة على حقيقتها. على رغم أن عوامل كثيرة ساعدت على تراكم عوامل الانهيار، إلا أنه يمكن التوقف أمام ثلاثة منها هي : فشل مشروع الحداثة، فشل مشاريع التنمية، والهزائم العسكرية أمام العدو القومي. أما أبرز نتائج هذا الانهيار فقد كانت في تصدع الدولة الوطنية لصالح العصبيات العشائرية والقبلية والطائفية، ثم في صعود الإسلام السياسي بتنظيماته المتعددة.

1 ــ عوامل مراوحة وفشل المشروع النهضوي والدولة الوطنية

أ ــ تحديث لا حداثة

يثير مشهد العالم العربي الراهن الكثير من الأسئلة حول مدى التطور الذي عرفه خلال أكثر من قرن ومدى انتسابه إلى العصور الحديثة التي انتقلت إليها مجتمعات متعددة في كل مكان. فعلى رغم التقدم التكنولوجي والفكري والحضاري والاقتصادي الذي طال البشرية على امتداد القرون الماضية وانتصاب الحداثة بعناصرها المتعددة عنصرا مقررًا في تقدم المجتمعات، فإن سؤالاً كبيرًا يطرح على المجتمعات العربية لجهة الحداثة التي تحققت فيها خصوصا منذ عقود الاستقلال. ينبع السؤال من اتساع رقعة التفكك الذي تشهده هذه المجتمعات العربية والانهيارات البنيوية التي تتوالى في كل مكان من أجزاء العالم العربي فتقدم صورة سوداء عما آلت إليه أوضاعها، بما يوحي بالقول أن المجتمعات العربية لم تعرف سوى “قشرة حداثية” خلال تطورها. وعلى رغم أن نقاشاً يدور في بعض الأوساط الثقافية عن ضرورة البحث في “ما بعد الحداثة” تمثلاً بالنقاش الدائر في الغرب حول المعضلات الناجمة عن تحقق الحداثة فيه، إلاّ أن الموضوع الفعلي عربياً يظل متصلاً بنقاش عن المدى الذي عرفته الحداثة في العالم العربي وما هي الاستعصاءات والإعاقات التي حالت وتحول دون تحقق  الحداثة فيه.

تتحدد الحداثة بوصفها محصلة التطور الإنساني والتقدم الذي عرفته البشرية في الميادين الفكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية والاكتشافات الجغرافية وعلى صعيد الإصلاح الديني، خصوصاً في المجتمعات الغربية على امتداد قرون. في رحاب هذه الحداثة ولدت وتطورت المفاهيم والأفكار وقامت النظريات في مختلف الميادين وولد فكر سياسي جديد وتكونت أنظمة سياسية واجتماعية. وإذا كان البحث في “منتجات الحداثة” واسعاً جدًا، فإن بالإمكان تحديد بعض الميادين الناجمة عنها والتي تشكل في الآن نفسه مؤشرًا لمدى علاقة هذا المجتمع أو ذاك بهذه الحداثة أو ابتعاده عنها.

أول هذه الميادين ما أنتجته الحداثة في الميدان الفكري. يتمثل هذا المجال في التحرر من الرؤيا القديمة للعالم والقائمة على سيادة التفسيرات الغيبية والدينية للكون وإحلال الرؤية العلمية والفلسفية مكانها. إنه انتصار سلطة العقل على سلطة الغيبيات، وتحرر الإنسان من أسطورة الحتميات التي سبق للفكر اللاهوتي أن فرضها على العقل البشري، كما تكرست مقولة أن الإنسان هو صانع تاريخه وبالتالي هو المسؤول عن خياراته، وهو ما يفتح على مسألة أولوية الذات التي ترى أن الإنسان يستمد قناعاته ويقينياته من ذاته قبل كل شيء، وأن العقل هو الحكم والمصدر الأساسي وحتى الوحيد في معرفة الحقيقة، وهو يستبعد الخرافة والأساطير في تفسير الحوادث والتخلص من سيطرة العادات والأفكار المعيقة للتقدم. وفي رحاب الحداثة تكرس مفهوم الحرية والتحرر والعقلانية بوصفها أقانيم ثلاثة تحدد مسار الإنسان وتطوره القادم، ومسيرة انتصار العلم والعقل على النقل والتراث. شكل نقد العقل الديني في التراث المسيحي وإخضاعه للتمحيص العقلاني أهم  المنجزات الفكرية والثورية في ميدان تحقيق العقلانية، كما حققت بذلك الحرية في التعبير واستقلالية الضمير البشري على حساب العقائد الدوغمائية المفروضة على البشر من فوق.

الميدان الآخر لمنتجات الحداثة تمثل في الفكر السياسي ونظرية الدولة. انطلق الفكر السياسي من التأكيد على حرية الرأي والتعبير والنقد للسلطة السياسية القائمة وعلى محاربة الاضطهاد والطغيان المتمثل بالاستبداد القائم والمستند غالباً إلى اعتبار الحاكم صاحب سلطة مطلقة معطاة له من الله بما يعطي هذه السلطة  طابعاً دينياً وسياسياً تلزم المواطن في الخضوع التام وتبقيه  تحت رحمة العقاب الإلهي. في سياق النضال ضد الإستبداد ولدت النظرية الديمقراطية كمنظومة قيم قانونية أوحقوقية يتحدد فيها الفرد بالمواطنية والانتماء المستقل خلافا لانتمائه الديني أو الأهلي. ومن الديمقراطية ولدت حقوق الإنسان والمواطن وحرية الإختيار والمجتمع القائم على احترام التعددية والإعترف بالآخر المختلف بالضرورة.

في إطار الحداثة ولدت نظريات سياسية حول الدولة، فكانت نظرية العقد الاجتماعي  الذي يتنازل فيه الأفراد عن حقوقهم التي كانوا يتمتعون بها في الحالة الطبيعية القائمة على العصبيات العشائرية والقبلية أو الطائفية الضيقة من أجل تنظيم شؤونهم في إطار الدولة وعصبيتها الموحدة. لكن النظريتين اللتين سادتا في ساحة الفكر السياسي تمحورا حول النظرية الليبرالية والنظرية الإشتراكية. فالنظرية الليبرالية  تستند إلى الحريات العامة، وهي نظرية ولدت الدولة الرأسمالية في سياقها فكرًا سياسياً واقتصادًا حرًا. وفي هذا السياق اكتسبت نظرية الديمقراطية مدلولاً واسعاً استنادًا إلى قاعدة الحرية الفردية والعقلانية. .في المقابل أنتجت الحداثة فكرًا سياسياً متنوع المشارب والاتجاهات كان أبرزه الفكر الاشتراكي الذي تكونت حوله دول اعتنقت مبادئه على غرار اعتناق الرأسمالية للفكر الليبرالي.

وفي الميدان الاقنصادي، أتاحت الحداثة إطلاق ثورة في تطوير الإنتاج البشري عبر سيطرة الإنسان على الطبيعة وعلى قوى الإنتاج. ساعد في ذلك الاكتشافات العلمية التي سخرت مكتسباتها في ميادين الاقتصاد ونقلت المجتمعات الغربية إلى مستويات من التقدم هائلة وأطلقت العنان لتحطيم كل الحواجز التي كانت تعيق الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها من ميادين الإنتاج، وهو أمر عدّل في نمط العلاقات الاجتماعية السائدة.

 شكل الإصلاح الديني الذي عرفته أوروبا مطلع القرن السادس عشر أحد الأعمدة الأساسية في نشوء الحداثة وتقدمها. طال الإصلاح في ما طال مفهوماً للدين يبتعد به عن طريق القسر والإكراه، ودعوة إلى حرية الإنسان في الاختيار الديني والعقيدة التي يرغب. ونظر بعض الفلاسفة إلى الأديان والمذاهب بصفتها عوامل أساسية في إشعال الحروب والفتن بين الشعوب، خصوصاً في ظل تكريس رجال الدين مفاهيم تحصره بالشعائر والطقوس الخارجية والطاعة السلبية لهم. ترتب على هذا الإصلاح نتائج طالت النظام السياسي في أوروبا وأثرت مباشرة على الفكر السياسي خصوصا نظرية الحرية الفردية ومواجهة الاضطهاد واستخدام الدين لإبقاء البشر تحت سلطة الكهنة. لكن الأثر الأكبر الذي تركه الإصلاح الديني وتداعياته اللاحقة في نشوب حروب أهلية، كان في أساس نشوء وولادة نظرية العلمانية القائمة أساساً على الفصل بين المجالين السياسي والديني أي الفصل بين الدين والدولة وتحديد مجال كل منهما. تقوم العلمانية على قواعد متعددة أبرزها تنظيم العلاقات الاجتماعية على أسس إنسانية تستند إلى معاملة الفرد بوصفه مواطناً يمتلك حقوقاً وواجبات، وبالتالي إخضاع المؤسسات والحياة السياسية لإرادة البشروممارستهم لحقوقهم. في المجال الديني، تدعو العلمانية إلى إعادة الاعتبار للدين ودوره الروحي والأخلاقي بما يتيح له لعب دور فاعل في الحياة الاجتماعية في كل مكان.

لم تقتصر منتجات الحداثة على الجوانب السياسية  والاقتصادية بل طالت التطور العلمي والتكنولوجي ودفعت به إلى اكتشافات هائلة في ميادين العلوم من جميع الإتجاهات، وهو ما أدى بالبشرية إلى مرحلة من التقدم الهائل لم يسبق لها أن عرفته في تاريخها وتسببت في قلب المقاييس الاجتماعية والأخلاقية . وطالت تأثيرات الحداثة ميادين  الفلسفة والأدب والفن والموسيقى فتكونت مدارس أدبية من الرمزية إلى الكلاسيكية إلى الرومنطيقية وأنتجت أوروبا عباقرة في هذه الميادين ما تزال مفاعيل نتاجاتها  سائدة حتى اليوم.

إذا كان ما جرت الإشارة إليه من معطيات حداثية يؤشر إلى الانتقال الذي عرفته أوروبا والغرب خلال القرون الماضية، فإن السؤال العربي يطرح نفسه حول موقع العالم العربي من هذه الحداثة ومنتجاتها ومدى دخول المجتمعات العربية فيها. تقوم مسافة شاسعة بين ما حققته الحداثة في الغرب وبين التخلف المتعدد الجوانب، سياسياً وفكرياً واقتصادياً وثقافياً ودينيا، والذي ما يزال يحكم ويتحكم في واقع المجتمعات العربية حتى اليوم، على رغم الإدعاءات أن العالم العربي اقتحم ميادين التقدم والتطور على غرار ما عرفته سائر مجتمعات العالم.

ب ــ سلطة لا دولة

مثّل نشوء الدولة في أوروبا درجة من أهم درجات التطور والحداثة، فلعب النهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري دورًا في بلورة مفهوم القومية الذي شكل قاعدة الكيانات الأوروبية التي كانت تعاني الانقسام وصراعاً في ما بينها للسيطرة على الأراضي والمقاطعات. ساعد قيام الدولة في أوروبا في بلورة قواعد قانونية ومبادئ تتصل بالفصل بين السلطات والمساواة أمام القانون وحماية الحريات وتحقيق المواطنية وغيرها، فشكلت هذه المبادئ أسساً استندت إليها أنظمة الاستقلال في العالم الثالث ومنها العالم العربي في وضع دساتيرها وقوانينها.

تكونت الدول العربية منذ نصف قرن تقريباً، في سياق النضال من أجل الاستقلال الوطني، وعلى حاملة مشروع قومي ذي مضمون اجتماعي وسياسي وطني. استوحت النخب العربية التي تسلمت زمام الحكم في الكثير من أنظمة الاستقلال مبادئ تنظيم الدولة المعمول به في الغرب وأخضعت بعض نصوصه لما يتوافق مع واقع المجتمع المحدد. تقوم في البلدان العربية راهنا دساتير تتشابه في التوجهات والقوانين والتشديد على الأهداف المركزية للدولة، وتؤكد الاندماج الاجتماعي والوحدة الوطنية والقومية، كما تركز على مقولة الفصل بين السلطات وتأمين التوازن في ما بينها وسيادة القانون على جميع أبناء الشعب. كما تذهب بعيدًا في التزام المبادئ الديموقراطية في الحكم التي تكفل المساواة بين المواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتضمن الحقوق العامة ولا سيما منها حرية الإعلام والفكر والمعتقد والعمل السياسي. وتشدد هذه الدساتير والقوانين العامة على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وتسعى إلى الإرتقاء بمستوى الإنسان العربي. كما تؤكد هذه الدساتير أيضا على المساواة بين المجموعات السياسية والأقليات والطوائف والإثنيات ومكافحة التمييز ضدها أو المس بحقوقها، وهي أمور تظهر مدى تأثر النخب العربية بالدول والأنظمة التي استندت إلى مقومات الحداثة في تكوينها. لكن السؤال المطروح هو مدى تطبيق هذه المبادئ واقعياً والتزام ما تنص عليه؟

شكل تحقيق الاستقلال وتعيين مبادئ الدولة المستندة إلى الدستور والقوانين أحد مصادر شرعية السلطة. يؤشر المشهد العربي الراهن منذ عقود إلى تغييب شبه كامل للقواعد الدستورية والقانونية، وإلى انحسار في شرعية السلطة، وذلك لمصلحة تمركزها في يد قوى محددة وبما لا يتناسب مطلقا مع المبادئ التي أسست لقيام الدولة، وهذا يعني تراجعاً في منطق الدولة لمصلحة منطق السلطة.

قد يبدو هذا الكلام غريبا من الناحية النظرية لصعوبة الفصل بين الدولة والسلطة في أي بلد. لكن، إذا كان السؤال حول الدولة والسلطة في الدول الحديثة والمتقدمة عبثياً ولا معنى له، فإنه يكتسب دلالة راهنية كبيرة في العالم العربي، حيث تعاني الدولة الوهن على حساب سلطات متنوعة الانتماءات، عسكرية أو طائفية أو قبلية أو إثنية. أدى التراجع في تطبيق مبادئ الدولة إلى تحولها سلطة استبدادية تستند بشكل رئيسي إلى الأجهزة الأمنية أو بعض المكونات التقليدية، وتلغي القوانين الدستورية، كما تمارس هذه السلطات وخلافاً للنصوص الدستورية تغييباً للحريات العامة، وتمييزًا بين المواطنين لمصلحة الجهة التي ينتمي إليها الحاكم. اختزلت السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد سلطة الحاكم فتعزز الطغيان، وبات القائد أو الزعيم عنواناً للسلطة والمؤسسات التي اختزلت في شخصه على غرار ما عرفته اوروبا أيام الاستبداد وسيادة منطق “أنا الدولة والدولة أنا”، وجعلت طاعته وعدم نقده من المقدسات.

كرست السلطة التسلطية غياب الديموقراطية والأحزاب السياسية وحرية الصحافة والتعبير، وابتكرت شتى وسائل القمع والإرهاب والتخويف والتهميش والترغيب من أجل ضمان بقاء السلطة في يديها. في هذا السياق اكتسب الاستبداد طابع المؤسسة، وهو ما ساعد على أن يجدد طاقته، بحيث تبدو إطاحته متعذرةً من القوى الداخلية على غرار ما شهده العراق، بحيث أن محاولة إطاحته تهدد الكيان والنظام بالانهيار ودخول البلد المعني في دوامة حروب أهلية تدمر كل ما يكون المجتمع قد حققه من تقدم (مثال سوريا واليمن وليبيا في الوقت الراهن)، وخصوصاً أن الحاكم كفّ عن أن يكون ممثلا للشعب بمقدار ما بات تعبيرًا عن الجماعة التي ينتسب إليها. الأسوأ من ذلك، سيادة ظاهرة ارتباط الاستبداد بنوع من الإيمان بالخرافات والغيبيات واستخدام اللاهوت الديني في إسباغ المشروعية عليه. في هذا الإطار لا يعود غريباً أن تتحول الجيوش إلى أداة لسحق الإنسان العربي وإلى سيادة نظام الطاعة المطلق بدل أن تكون مكرسة للدفاع عن الوطن من العدو الخارجي وعن المواطن في الداخل وحماية حقوقه، إضافة إلى تكريس نوع من عسكرة هذه المجتمعات العربية. هكذا ترافق هذا الارتداد عن الدولة بانحسار في النهوض الاقتصادي، كما ساد الفقر والبطالة والأمية والفساد، ونجم عن ذلك غياب المحاسبة والمراقبة. وفي ظل هذا التسلط على الدولة ومؤسساتها وممارستها، استشرى الفساد السياسي والاداري في كل مكان، وتوزعت المواقع السياسية على أصحاب النفوذ على شاكلة اقطاعات كحصص سياسية وموارد اقتصادية وشركات عاملة. الأخطر من ذلك كله، غياب تداول السلطة بل احتكارها في يد أقلية مسيطرة وسيادة منطق التوريث في الدول الجمهورية على غرار ما هو سائد في الأنظمة الملكية.

لا يعود غريباً بعد ذلك أن تنبعث في العالم العربي مكوّنات ما قبل الدولة، من استعادة للطوائف والعصبيات القبلية والعلاقات العشائرية، وأن يحتدم الصراع في ما بينها من أجل اقتسام المؤسسات والبلدان إجمالا. يشهد على ذلك حجم الاصطفاف الذي تعيشه المجتمعات العربية وتحوله حروباً أهلية تهدد العديد من الأقطار وتهز كيانات راسخة في المنطقة. في ظل هذا المناخ تصبح الاستعانة بالخارج أساسية في حسم الصراعات وتحقيق الغلبة لمصلحة هذه الجماعة أو تلك. كما تصبح قدرة هذا الخارج على النفاذ إلى قلب المجتمعات العربية واختراقها أكثر يسرًا وسهولة في التلاعب بالكيانات.

هكذا بعد مسيرة أكثر من نصف قرن يبدو العالم العربي أمام تداعيات متتالية في منطق قيام الدولة لصالح منطق سلطة التهمت الدولة وأجهزت على المجتمع في آن واحد. ألغيت فكرة الوطن وحل مكانها النظام، وسادت نظرية حرمان الشعب من السياسة كأفضل سبيل لضمان سيطرة السلطة على ما بقي من الدولة وعلى المجتمع نفسه. ضاعت قشرة الحداثة التي بدا أن المجتمعات العربية قد حققتها وخصوصاً منها التي عرفت تجربة في التطور والليبيرالية إلى هذا الحد أو ذاك.

لا يمكن تجاهل المحاولات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم لدق أبواب التقدم والسعي إلى اكتساب منتجات الحداثة الغربية في مختلف الميادين. منذ طرح رواد النهضة السؤال عن سبب تخلف العرب وتقدم الغرب، استمر النقاش دائرًا حول السبل التي تنقل المجتمعات العربية إلى رحاب الحداثة. تحققت بعض الإنجازات في الربع الأول من القرن العشرين، ثم تطورت مع صعود مشروع التحديث العربي في الخمسينات والستينات. لكن الهزائم العربية عسكرياً وسياسياً أمام العدو الخارجي وخصوصًا المشروع الصهيوني وعودة الاستعمار إلى المنطقة، مضافاً إليها الهزائم الداخلية على مستوى عجز الأنظمة الحاكمة عن تحقيق وعودها في التقدم الاجتماعي والاقتصادي وتحلل مقومات الدولة لصالح البنى التقليدية، أدت إلى ارتداد واسع عما كانت القشرة الحداثية قد اخترقته داخل المجتمعات العربية. وفي تفحص لبعض المؤشرات الدالة على “الحداثة العربية” يمكن تبيان الأرض التي تقف عليها عربياً وحجم الإعاقة الكبيرة والارتداد قياساً على عقود سابقة.

شكل انتصار العقلانية أحد أهم المنجزات التي سمحت في تحقيق الحداثة، فلم يكن للحداثة أن تسود من دون تسليط سيف النقد على كل شيء وتسييد العقل حكماً وحاكماً مطلقاً. في هذا المجال يواجه العقل العربي محنة من حيث تعطيل عمله والمنكفئ الى الظل. من أبرز مظاهر “قمع العقل” العربي منعه من إخضاع التراث السائد للقراءة النقدية. يجتاح التراث العربي والإسلامي الحياة العربية ويضع المواطن في قلب القرون الماضية. الأخطر هنا، إن ما يبعث من التراث لا يطاول جانبه الإنساني أو العقلاني المضيء، وهو تراث ساهم في نهضة الغرب وحداثته، بل إن ما يجري تكريسه على العقول العربية هو “ترفيع” ثقافة الخرافات والأساطير وتسييدها على الذهنية العربية.

تلعب المؤسسة الدينية دورًا مهماً في إعاقة الحداثة في العالم العربي، وتعاونها في ذلك السلطات السياسية الحاكمة ومعها البنى التقليدية، العشائرية والقبلية والطائفية. تنصّب هذه المؤسسة نفسها مراقباً على حرية الفكر والعقل وتحدد “المسموح وغير المسموح التفكير فيه” وفق تعبير للمفكر الجزائري الراحل محمد أركون. تحارب الإنتاج الفكري الهادف إلى تكريس العقلانية في قراءة معضلات المجتمعات العربية، وتصدر الفتاوى في مصادرة الكتب ومنع التعرض إلى قضايا محددة، ولا تتورع عن فتاوى التحريم والتكفير والهرطقة بما يضع حياة المفكر والكاتب تحت رحمة قوى التطرف والتخلف، وهذه ظاهرة شهدها المجتمع العربي في مناسبات عديدة على غرار ما عرفته محاكم التفتيش في القرون الوسطى الأوروبية. يصعب مواجهة التخلف العربي من دون تقليص دور المؤسسة الدينية في الحياة العامة، والحد من تواطؤ السلطة السياسية معها في تكريس هيمنتها، وهو شأن كان في صميم المعركة الأوروبية في سبيل التنوير والحداثة.

يسجل انبعاث الأصوليات بعنفها وتطرفها واستخدامها الدين في السياسة وتسليط تفسيرها الأحادي الجانب له بما يخدم أهدافها، أهم هزيمة في العقود الأخيرة لمشروع مقاربة العالم العربي للحداثة. نحن أمام حركات تهدف إلى إعادة المجتمعات العربية إلى القرون البدائية عبر حجز تطورها بالعنف والإرهاب، وتخضع كل مظاهر الحياة اليومية الى منطق المقدس وتقديس ما هو غير مقدس عبر إحلال طقوس تتناول السلوك اليومي والقضايا الأكثر دنيوية. أما الخطر الأكبر للحركات الأصولية على التقدم فنابع من برنامج هذه الحركات الذي يصل في مآله الأخير الى تدمير الدولة والمجتمع في آن واحد وتكريس الفوضى وكل ما هو متخلف من قوانين وعادات. تمثل هذه الأصوليات العدو الأشد للحداثة بمعناها الفكري والعقلاني والثقافي والفلسفي، ومن المفارقات أنها من أكثر مستخدمي التكنولوجيا بمنتجاتها الحديثة في أعمالها الإرهابية.

تمثل النظرة التي لا تزال سائدة تجاه المرأة في المجتمعات العربية دلالة جارحة على إعاقة الحداثة. تعاني المرأة التمييز بينها وبين الرجل والانتقاص من حقوقها في ميادين متعددة. على رغم بعض التقدم الذي حصّلته في نضالها ضد “المجتمع الذكوري” إلا أن التعاطي معها كإنسان منقوص الحقوق وفاقد الأهلية في ميادين معينة، لا يزال يشكل عبئاً على ممارستها لدورها في المجتمع. فخلف الأبراج العالية والمظاهر البراقة في الحياة العامة تكمن نظرة معادية للمرأة كإنسان يمتلك المقومات نفسها التي يمتلكها الرجل. في هذا المجال تتحمل البنى المتخلفة السائدة في الغالبية الساحقة من المجتمعات العربية مسؤولية تكريس هذا التمييز لصالح الرجل، كما تلعب النصوص التراثية والدينية وتلطي المؤسسة الدينية خلفها دورًا في منع المرأة من احتلال الموقع الطبيعي الذي تستحق. إن نضال المرأة لامتلاكها كامل الحقوق المعطاة للرجل، هي معركة في صميم النضال للوصول إلى الحداثة، ويصعب تصور خروج المجتمعات العربية من أسر التخلف طالما أن أكثر من نصف المجتمع منقوصة حقوقه العامة والخاصة.

تشكل مناهج التعليم وحجم التقدم العلمي والإنتاج فيه أحد معوقات الحداثة العربية. لا تزال مناهج التعليم بعيدة عن مواكبة تطورات العصر ولا صلة لها عملياً بحاجات التقدم والتطور الاجتماعي، وهو أمر يفسر ضعف العالم العربي، الأقرب إلى العجز، وعدم قدرته على تقديم منجزات علمية وتقنية تجاري ما هو سائد في أنحاء عديدة من العالم المتقدم. إلى ذلك فإن التعليم العربي عجز أيضاً عن حل معضلة الأمية التي يرزح ثلث سكان العالم العربي تحت ربقتها. وتترافق هذه الأمية مع مستوى عال من الفقر والبطالة، وهي مؤشرات حاجزة للحداثة، بل على العكس تشكل ارضاً خصبة للتطرف والعنف والإرهاب وتأبيد التخلف.

لا مجال بعد هذه الإشارات للقول أن ما عرفه العالم العربي يقع في صلب إنجازات الحداثة، لأن العيش ماديا في القرن الحادي والعشرين يترافق ذهنيا مع العيش في القرون البائدة. وهو أمر يسمح بحكم يرى أن المجتمعات العربية مصابة بانفصام في الشخصية ناجم عن هيمنة الأفكار التقليدية البالية من جهة وعن الشبق في استيراد أحدث انواع التجهيزات والاختراعات التكنولوجية واستخدامها من جهة أخرى.

إن التأسيس للفرد المواطن الحر أحد الشروط التاريخية التي قامت عليها الحضارة الأوروبية وازدهرت، كما شكل الأساس في شرعية السلطة والدعامة الرئيسية التي نهضت عليها الديموقراطية. لم يكن لهذا الإنجاز أن يتحقق من دون قيام الدولة – الأمة  وفصل المجال الديني عن السياسي وتحويل انتماء الإنسان من الجماعات الخاصة القبلية والعشائرية  والطائفية إلى المجال العام المتمثل هذه المرة في الدولة. في رحاب هذا التحول وعلى أساسه، قامت نظرية الحقوق ونشأت نظرية المواطنية التي يعرفها الفكر السياسي على أنها انتماء أفراد شعب محدد وفي رقعة جغرافية إلى وطن واحد لجميع أبنائه وإلى انتظام هذا الشعب ضمن منظومة واحدة في ظل الخضوع لدستور وقوانين ومؤسسات تظللها حقوق وواجبات متساوية لأبناء الشعب من دون تمييز عرقي أو جنسي أو طائفي. فهل استطاعت المجتمعات العربية التوصل إلى تأسيس مواطنية تخرج شعوبها من سجون التشكيلات الاجتماعية البدائية المتمثلة في القبيلة والطائفة والمذهب؟ ليس من الصعب إعطاء جواب سريع عن عجز الوصول الى مثل هذا الإنجاز، مما يجعل “الحداثة العربية” بعيدة عن الوصول إلى المواطنية في ظل إعاقات متعددة لا يزال زخمها يسير تصاعدياً في زمننا الراهن.

شكلت الأيديولوجيات التي سادت أو حكمت في المنطقة العربية والمنظومة الفكرية التي حملتها، عائقاً في نشر مفهوم المواطن – الفرد على امتداد عقود. تشترك الأيديولوجيات القومية العربية والإشتراكية والإسلامية في تهميش دور الفرد والحد حتى من تكوّنه الخاص، عبر إقصائه عن الفعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لصالح الذوبان في الجماعة وتحت عنوان التضحية بالذات في سبيل القضية العامة.

عامل آخر في الإعاقة يتصل بفشل الدولة – الأمة التي ولدت مشوّهة ومعوقة عن تحقيق المواطنية لأسباب تعود إلى عجزها عن تحقيق اندماج اجتماعي على قاعدة الاعتراف بحقوق المجموعات السائدة ومنع التمييز في ما بينها، وذلك بسبب غياب الديموقراطية كوسيلة تحفظ هذه الحقوق. يرتبط بهذه النقطة أن الانظمة السائدة تتسم بالاستبداد وتجميع السلطات في يد فرد أو مجموعة أفراد تقوم ممارستها على القمع وحجز الحريات السياسية ومنع التعبير عن الرأي والانتظام في مؤسسات المجتمع المدني، وهي شروط ضرورية لتفتح الفرد ونمو قدرته على ممارسة دوره المستقل.

ازدهرت في العقود الأخيرة الحركات الأصولية والسلفية، التي تقوم نظريتها على نفي مفهوم المواطنية الحديثة واعتباره مناهضا للشريعة الإسلامية. تفرز الأصوليات في غالبيتها المجتمعات بين “دار الإسلام” و”دار الكفر” فتمنح حقوقا للأولى وتحجبها عن الأخرى. إن اتساع شعبية هذه الحركات واحتلالها موقعا في الحياة السياسية في كل البلدان العربية تقريباً، يجعل أيديولوجيتها عنصرًا فاعلاً في الإعاقة الحداثية وخصوصاً أنها تمزج بين استحضار الموروث المتخلف الذي لا تزال رموزه وجذوره عميقة في العقلية العربية، مقترنةً بالاعتماد أساسا على النص الديني وفق تفسيرات ضيقة له وبما يتوافق توجهاتها، وبما يعطي هذه الأصوليات قوة مضاعفة في التأثير والاستقطاب ومن خلال استخدام وسائل الإعلام المتاحة لها بقوة لترويج افكارها.

إذا أردنا رصد مصير المواطنية وموقع الفرد في المجتمعات العربية فيمكن القول أنها سائرة من ارتداد إلى آخر. انعكست الهزائم العسكرية والسياسية والثقافية خارجيا وداخلياً على مجمل الأوضاع العربية، ومن أبرز نتائجها ارتداد هذه المجتمعات إلى مقومات ما قبل الدولة من خلال انبعاث صارخ لعصبيات الماضي واستحضارها لتشكل عنصرًا مقررًا في مصير الإنسان العربي ومجمل سلوكه العام والخاص. يشهد أكثر من بلد عربي انتقالاً متسارعاً لمهمات الدولة لصالح الجماعات الخاصة. يترتب على ذلك انشداد ولاء الفرد الى هذه الجماعات سياسياً واقتصادياً وثقافياً واعتبارها مصدر الحماية الخاصة. تشهد على هذه الظاهرة بعض البلدان التي اندلعت فيها أزمات سياسية حارة أو حروب أهلية تتخذ بوضوح طابعاً طائفياً ومذهبياً أو بين قبائل مختلفة الهويات، وما يحصل حالياً في أكثر من بلد عربي مرشح للاتساع في ظل الأرض التي تهيئ لمثل هذه الانفجارات التي تسير حثيثا في تدمير الكيانات والأنظمة على السواء.

إذا كانت الحداثة في العالم العربي استعصت على التحقق، وإذا كانت هذه الحداثة استوجبت قروناً لتتحقق في اوروبا، فهل يعني ذلك أن العالم العربي بعيد عن الوصول إلى التقدم ومحكوم أن يبقى داخل قضبان التخلف إلى ما لا نهاية؟ ليس من جواب حتمي في هذا المجال. إن مستوى التطور البشري المنظور إليه من خلال الثورة التكنولوجية وخصوصا ثورة الاتصالات، يسمح اليوم بتواصل أكبر بما لا يقاس من السابق بين الثقافات والحضارات لتأمين التفاعل في ما بينها. في إمكان العرب اختصار المسافات الزمنية والتسريع في الإفادة من نقل منتجات هذه التكنولوجيا في تطوير المجتمعات العربية، لكن ذلك يتطلب ولادة قوى سياسية –اجتماعية وشعبية تضع في أولوياتها كيفية الحد من عوامل التخلف العربي والتصدي لمعطياته في جميع الميادين.

ج ــ نمو لا تنمية

يوحي المشهد العربي في مظاهره المتعددة بتطور تقني وتكنولوجي يحتل موقعاً متقدماً في الحياة اليومية. ثمة ظواهر تتمثل في استخدام التقنيات الحديثة وبناء الأبراج الضخمة في بعض البلدان العربية، إضافة إلى دخول منتجات التكنولوجيا في أكثر من مجال صناعي وزراعي وتجاري وفي تسليح الجيوش، وقيام أنظمة قاربت اعتماد علاقات رأسمالية والاقتراب من بناء دول قائمة على دساتير وقوانين…، هذه كلها مظاهر تشي بدخول عالم الحداثة إلى غالبية المجتمعات العربية. لكن التدقيق في حدود هذا التقدم ثم في الارتداد عنه، يسمح بالقول إن ما عرفته المجتمعات العربية تغلب عليه صفة التحديث وليس الحداثة، حيث يجري نقل هذه التكنولوجيا مقترنةً برفض الأفكار الفلسفية والسياسية والاجتماعية التي أنتجتها بحجة مخالفة هذه الأفكار للتراث العربي والإسلامي وتناقضها مع النصوص الدينية الأساسية، وهو ما يعني عملياً الاكتفاء باستهلاك هذه التقنيات من دون القدرة على المساهمة في إنتاجها إلا بالجزء القليل. وهذا من شأنه أن يضع حدًا فاصلا بين ادعاءت “الحداثة” العربية والحداثة الغربية بمعناها الفعلي كما تجسدت ولا تزال في المجتمعات المتقدمة.

في السياق نفسه، سال حبر كثير من منظري التنمية في الدول الوطنية حول مشاريع التنمية التي جرى تنفيذها في العالم العربي، يدلل على ذلك ما جرت الإشارة إليه من تقدم صناعي ومشاريع بناء وجيوش حديثة.. كما يكثر الحديث عن التنمية في أدبيات الامم المتحدة ومنظماتها العاملة في البلدان العربية. يحتاج الكلام عن التنمية الشاملة المزعومة بعض الإيضاحات، تتصل بالفارق الكبير بين التنمية بمعناها الشامل وبين النمو الاقتصادي.

مما لا شك فيه أن الفكر التنموي في العالم العربي يسوده الخلط الحاصل بين مفهوم التنمية بمعناها السياسي والاقتصادي والثقافي الشامل، وبين النمو الاقتصادي الذي يتطلب تراكماً وتثويرًا لقوى الانتاج في وصفها القاطرة لعمليات النمو. ينجم عن هذا الخلط في المفهومين نتائج سلبية في تطور المجتمع. فلو عدنا إلى عمليات التراكم الرأسمالي التي تمت في القرون الثلاثة السابقة في أوروبا، فإنها بالتأكيد أمّنت تقدما مذهلا على صعيد نمو قوى الإنتاج كانت الأساس في إقامة الدول الرأسمالية، الأمر نفسه ينطبق على بلدان جنوب شرق آسيا والصين، ومعها بعض الدول العربية، حيث حققت نسباً مرتفعة في النمو الاقتصادي لا يزال يتصاعد في معظمها حتى اليوم. لا يعني هذا النمو أن تنمية بشرية بمعناها الواسع قد تحققت، فهذا النمو لم ينعكس بشكل إيجابي على مصالح غالبية السكان في هذه البلدان المشار إليها سابقاً وراهناً. بل ترافق التراكم مع إفقار لفئات واسعة من السكان وتفاوت في الدخل وزيادة التمييز بين الفئات الاجتماعية، وهو ما يتناقض مع مقولة التنمية. إن ما جرى هو عبارة عن نمو اقتصادي وتقني وليس عملية تنمية.

تفتح هذه النقطة مباشرة على مفهوم التنمية البشرية، بعد أن باتت همّاً فعلياً يرتبط التقدم في كل بلد بمدى تحولها إلى عملية شاملة. لم تكن النظرة البعيدة إلى مفهوم التنمية منفصلة عن مجمل التقدم الحاصل في مجتمعات حققت حدًا هائلاً من التقدم الاقتصادي والتقني، لكنها اكتشفت أن هذا التقدم ظل مترافقا مع اختلالات تمس الشريحة الأوسع من السكان. توسعت النظرة إلى التنمية مع التوسع في مفهوم حقوق الإنسان والمواطن بمعناها الشامل، بما يجعل التنمية عملية اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية. نص  “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الصادر عام 1948 بأنه “لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته…”. وفي السياق نفسه نص إعلان الأمم المتحدة حول “الحق في التنمية” الصادر عام 1986 على وصف التنمية بأنها “عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية.. تمهد لإعمال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية”. إضافة لذلك يزخر الأدب الاقتصادي بالمقولات والمفاهيم التي تميز بين النمو والتنمية، بحيث ترفض اختزال التنمية بالنمو، لكنها تعتبر أن التنمية لا وجود لها من دون النمو الاقتصادي الذي يقف في مقدمة الشروط التنموية.

يفتح هذا التمييز على موضوعة الديمقراطية ومدى صلتها بالتنمية والعلاقة المشروطة في ما بينهما. عندما يتجاوز تحديد التنمية معناها الاقتصادي والتقني المرموز اليه بتطوير قوى الإنتاج، ويجري التعاطي معها كعملية شاملة، فإن الموضوع يفتح مباشرة على شروط تستوجبها هذه التنمية في كل مجتمع من المجتمعات. من أجل أن تمارس التنمية هذا الدور، فإنها تحتاج إلى نظام اقتصادي يقوم على عدالة في التوزيع بما يحدّ من التفاوت الاجتماعي، ويحقق المساواة أمام القانون بين جميع المواطنين، ويسمح بتكافؤ الفرص ومنع التمييز العرقي أو الطائفي أو الإثني، ويحقق المشاركة الواسعة في القرارات والمشاريع المنفذة بما يسمح بانخراط أوسع الكتل الاجتماعية في تحقيق مشاريع التنمية، وفي إعطاء المرأة حقوقها السياسية والمدنية وإشراكها في جميع المجالات الهادفة إلى إنجاز التنمية، وفي استقلالية المجتمع المدني وحقه في التدخل والرقابة والنقد، ثم في التعددية السياسية وصيانة الحريات على جميع المستويات والحق في قيام أحزاب سياسية وكفالة حرية الرأي والتعبير.. هذه المقولات التي تشترطها عملية التنمية في معناها الشامل هي في جوهرها مبادئ ومفاهيم يقوم عليها النظام الديمقراطي.

ما جرت الإشارة اليه يحسم بأن المجتمعات العربية شهدت في عهود دولها الوطنية “قشرة تنمية بشرية” على غرار “القشرة الحداثية”. وهو الأمر الذي جعل المجتمعات العربية تعيش في أسفل درجات التخلف قياساً على دول أخرى، على رغم ما تتمتع به هذه المجتمعات من ثروات وموارد متنوعة ومتعددة في كل المجالات. المعضلة في طبيعة السياسات القائمة وفي احتكار الموارد من فئة قليلة من الحكام والمتنفذين الذين وظفوا هذه الموارد خارج حاجات الشعوب العربية.

د ــ حدود الاصلاح

شهد العالم العربي منذ سبعينات القرن الماضي لغة سياسية على لسان الحكومات القائمة وتتمحور حول ضرورة الإصلاح. تحول هذا التعبير إلى ما يشبه “الأيديولوجيا” يردده الحكام في خطبهم السياسية، وترفعه القوى والأحزاب المعارضة منها والموالية، بحيث أوقعت المواطن العادي في حيرة من أمره. لكن الكلام الكبير على الإصلاح تكشف في النهاية عن جملة خطوات طالت الميدان الاقتصادي وتمحورت حول قضاياه وتركت جانباً قضايا أساسية تحتاج إلى تغيير جذري في نهج التعاطي معها.

استندت غالبية برامج الإصلاح الاقتصادي على اقتراحات مقدمة من المؤسسات الدولية: البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية. تقوم شروط الإصلاح المطلوبة من هذه المؤسسات على إعادة هيكلة اقتصادات الدول عبر إلغاء القطاع العام أو تقليصه إلى الحد الأدنى، وتخصيص المؤسسات العامة، وإطلاق حرية السوق، وتقليص النفقات الاجتماعية. يعبر هذا البرنامج عن الحد الأقصى من الليبرالية البعيد عن أي توجه اجتماعي يجيب عن الحاجات الفعلية لمجمل الشعب في أي بلد. نجم عن اعتماد عدد من الدول العربية لهذه “الإصلاحات” دخولها في دوامة الإنهيار الاقتصادي والاجتماعي المتزايد، فتفاقمت المديونية بحيث باتت غالبية موارد الدولة مسخرة لتسديد الدين العام أو خدمة هذا الدين، كما تزايدت مشكلات الفقر والتفاوت الاجتماعي بين الطبقات الفقيرة والغنية، ووصلت البطالة إلى أعلى مستوياتها، وتفاقمت مشكلات التعليم وحافظت الأمية على مستوى مرتفع بين صفوف الشعب العربي… هكذا انتجت هذه البرامج “إصلاحات” فاشلة زاد من وطأتها عجز الدول العربية عن مواجهة التحديات الخارجية وعن حل المعضلات الوطنية.

تكمن مشكلة فشل برامج الإصلاح العربية التي انطلقت من اعتماد مقولة “الإنفتاح” في كونها أحادية الجانب. يصعب تركيز التوجهات الإصلاحية في جانب محدد وإغفال الجوانب الأخرى المرتبطة به حكما. حقق عدد من الدول العربية إصلاحات اقتصادية يمكن وصفها بالمحدودة الفعالية، لكن هذه الإصلاحات الاقتصادية لم تترافق مع “انفتاح سياسي” يمكن له أن يسيّج القرارات الاقتصادية. ترافق الانفتاح الاقتصادي مع تشديد القبضة الاستبدادية في كل مكان، وازداد الحجر على الحريات السياسية وعلى الحق في التعبير والعمل السياسي وعلى وسائل الإعلام، كما انتهكت حقوق الإنسان وقمعت المعارضات وجرى التنكيل بها. هكذا بديلا من أن تكون برامج الإصلاح مناسبة لوضع البلدان العربية على سكة الديمقراطية والتعددية، وتطلق القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير، تحول الإصلاح إلى كابوس يرخي بوطأته على البلدان السائرة نحوه.

هل يعني ذلك دعوة إلى التراجع عن مطلب الإصلاح من قبل القوى السياسية وبالتالي ترك الأمور إلى السلطات الحاكمة؟ بالتأكيد لن يكون هذا شعار تحمله أي قوى سياسية. لكن مطلب الإصلاح لا بد ان يكون شاملاً بحيث يكون مفتاحه الإفراج عن الحياة الديقراطية وتكريس قيمها في التعددية والمساواة أمام القانون والرقابة السياسية على إنفاق الموارد وعلى المساءلة المستديمة للحاكم. تثبت سياسات التنمية في كل مكان في العالم أن شرط نجاحها هو في أقصى المشاركة الشعبية في تنفيذ المشاريع وهي مشاركة يصعب أن تتحقق في ظل الحظر على الحياة السياسية (غزال، خالد ، المجتمعات العربية المأزومة وإعاقات الحداثة المركبة، مرجع سابق، ص 175)..

هـ ــ الهزائم العسكرية أمام العدو القومي

شكلت هزيمة الجيوش العربية أمام العصابات الصهيوينة عام 1948 مدخلاً لتحولات سياسية في المنطقة العربية ترجمت نفسها من خلال انقلابات عسكرية أطاحت النخب السائدة بعد أن حمّلتها مسؤولية هزيمة الجيوش العربية وضياع فلسطين وإقامة دولة إسرائيل. على امتداد عقود شكلت القضية الفلسطينية رافعة للمشروع القومي العربي وعنصر استنهاض شعبوي على امتداد العالم العربي. في المقابل، شكلت القضية الفلسطينية، أيضا، وكيفية استخدامها من قبل النخب الحاكمة، خصوصا من العسكريتاريا العربية، عنصرًا سلبياً في مسار التطور العربي. باسم العمل على استعادة فلسطين، جرى توظيف الموارد العربية من أجل بناء الجيوش والأجهزة الأمنية، على حساب التنمية المطلوبة وتحسين مستوى الشعوب العربية. وباسم القضية الفلسطينية مورست أكبر عمليات تضليل ديماغوجي، وتسليط القمع على القوى السياسية المعارضة في كل بلد عربي، وارتفع شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” لإسكات الأصوات المعارضة للنظام ولمنع المطالبة بالديمقراطية وحرية الفكر والممارسة السياسية، أي تعليب الشعوب العربية في قالب حديدي. لم تكن ممارسات هذه الأنظمة وشعاراتها السياسية وديماغوجيتها، من دون توافق وتأييد شعبي، بل على العكس، كانت الجماهير العربية مستعدة للتضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ومستعدة لتحمل شظف العيش والسير وراء قياداتها من أجل الهدف العظيم المتعلق بتحرير فلسطين و”رمي اسرائيل في البحر” وفق التعبئة السائدة آنذاك.

في الخامس من حزيران 1967، كانت الفضيحة العربية الكبرى وسقوط الأوهام، عندما انهزمت جيوش مصر وسوريا والأردن أمام الجيش الإسرائيلي، فاحتلت سيناء والجولان والضفة الغربية، في مدة زمنية لم تتجاوز الأيام الستة. كعادة العرب، جرت تسمية الهزيمة بالنكسة، وارتفعت أصوات ترى أن الإجتياح الإسرائيلي للأراضي العربية فشل لأن الأنظمة “التقدمية والوطنية” القائمة لم تسقط. هكذا حولت الديماغوجيا القومية والإشتراكية الهزيمة إلى انتصار، كأن خسارة الأراضي وتدمير الجيوش مسألة شكلية.

بعد الخامس من حزيران، وبعد هدوء التضليل، شهد الفكر السياسي العربي مناقشات كان بعضها جدياً في قراءة الهزيمة، ليس فقط في وصفها هزيمة عسكرية، بمقدار ما هي هزيمة للمشروع القومي العربي وبداية تصدع المشروع النهضوي. تتالت الهزائم أمام اسرائيل في حرب 1973 رغم ما شهدته من انتصار محدود، وبعدها في اجتياح لبنان عام 1982. هذه الهزائم كانت تعلن عجز الأنظمة القائمة عن حماية بلدانها وعن التصدي للعدو القومي المدعوم استعمارياً خصوصاً من الولايات المتحدة الأميركية وبعض البلدان الغربية.

كانت اسرائيل تمارس دورها المرسوم لها منذ ولادتها بمنع تحقيق التوحيد العربي، وإبقاء الشعوب العربية في حالة حرب تستنزف قواها البشرية والمادية، كما تشكل العامل المساعد على نهب الثروات العربية ومواردها. بهذا المعنى تقاطعت اسرائيل مع الأنظمة العربية في إذلال الشعوب العربية والإبقاء على تخلفها ومنع تقدمها، وهي سياسة ستتعمق خلال العقود اللاحقة حتى زمننا الراهن. نخلص إلى القول أن الهزائم العربية أمام العدو القومي والعجز عن استعادة الحقوق العربية، وتالياً الاستسلام للمطالب الصهيونية، كلها شكلت مسامير ضخمة في نعش المشروع النهضوي، وشكلت الفاتحة لصعود الإسلام السياسي.

2 ــ أبرز نتائج انهيار المشروع النهضوي

تتعدد الميادين التي تشهد على النتائج التي أفرزها انهيار المشروع النهضوي في العالم العربي. يمكن تلمسها في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية وفي الأزمات الاجتماعية وفي الفنون.. عندما يحصل الانهيار البنيوي في مجتمع، لا يبقى  ميدان إلا وتمسه آثاره. إذا كانت الصفحات السابقة قد تطرقت بشكل أو بآخر إلى ميادين الانهيار ونتائجه، فإن هذا القسم سيركز على ميدانين، الأول هو صعود الإسلام السياسي، بالنظر إلى ما يمثله اليوم من انفلات تنظيماته نحو الإرهاب والعنف، والثاني هو تصدع بنى الدولة، التي تعيش انفجارًا حقيقياً بعد الانتفاضات العربية التي قامت منذ أكثر من خمس سنوات.

أ ــ صعود الإسلام السياسي

لم تظهر تنظيمات الإسلام السياسي فجأة في سبعينات القرن الماضي، بل تعود جذور تكونها وتبلورها الى الربع الأول من القرن العشرين عندما نشأت حركة الإخوان المسلمين في مصر على يد حسن البنا، واعتبر نشؤوها جواباً عن إلغاء مصطفى كمال للخلافة الإسلامية بعد انهيار الأمبراطورية العثمانية. تعتبر حركة الإخوان الأم والأب لجميع تنظيمات الإسلام السياسي التي انتشرت بقوة لاحقاً، وإن كانت الأشكال أو الأفكار تختلف أو تتفاوت بين فريق وآخر. تجمع كل التنظيمات الإسلامية على مقولتين مركزيتين، الأولى تقول بأن “الإسلام هو الحل” لجميع مشاكل المسلمين والعالم، وهو قادر على إيجاد حلول لجميع المعضلات المجتمعية من دون استثناء، والثانية، اتفاق كل التنظيمات على أن هدفها المركزي إقامة دولة إسلامية تستلهم دولة الخلفاء الراشدين، مع عدم الإعتراف بشرعيات الدول القائمة على دساتير مستوحاة من الغرب، لأن النص الديني، أي القرآن، هو دستور المسلمين. تحت هاتين المسلمتين تعددت الاجتهادات لدى الأحزاب الإسلامية وتنظيماتها، كما تعددت ممارساتها وتراوحت بين الدعوات السلمية وبين دعوات العنف.

شهد الفكر السياسي نقاشاً بعد هزيمة حزيران والتفاعلات التي أفرزتها، دار حول ظاهرة صعود الإسلام السياسي بقوة بعد أن كان قليل الفعالية في مرحلة النهوض القومي. وذهب كثيرون إلى وصف الظاهرة بأنها مؤامرة واختراع استعماري أميركي وغربي عموماً. كما ذهب مفكرون إلى قراءة الظاهرة بعواملها الموضوعية انطلاقاً من قراءة التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي كانت تتفاعل في المجتمعات العربية. لا يستعصي فهم الظاهرة مطلقا، فهي جواب على فشل المشروع النهضوي الذي شكل في مرحلة صعوده، التعبير عن طموحات الشعوب العربية في الوحدة والحرية والتحرير القومي وتحسين مستوى حياة المواطن العربي… رافعة تاريخية احتضنتها جماهير واسعة من المحيط إلى الخليج.

في مرحلة ما بعد الهزيمة، وعلى امتداد سنوات، كانت نتائج انهيار المشروع النهضوي – القومي – العروبي تتهاوى تباعاً، وتتكشف عن أحلام لم يتحقق منها سوى اليسير، في ظل الفضائح التي بدأت بالظهور عن واقع الأنظمة الحاكمة والموبقات التي تضرب تلك الطبقة التي تولت الحكم لعقود. ولم يكتف الانهيار بالدول والبنى، فقد أصاب القوى الاجتماعية والفكرية والثقافية. هذا الفشل في سياسات الأنظمة، مقرونة بالهزائم العسكرية أمام العدو القومي، ترك فراغا هائلا في المجتمعات العربية، شكل التربة الخصبة التي أعادت إحياء تنظيمات الإسلام السياسي، فقدمت نفسها لملء هذا الفراغ، وأنها الحل والخلاص لمشاكل الشعوب العربية، وأن العودة إلى الدين والتزام قواعده وبناء دولة المسلمين هو سبيل الإنقاذ الوحيد للمسلمين، بعد أن كبدتهم تنظيمات العروبة الهزائم العسكرية، وتركتهم في حالة اجتماعية مزرية.

لم  يكن الإسلام السياسي ينطلق من فراغ، ثمة عوامل موضوعية كانت تشكل له القاعدة والأرض التي يغرف منها. فهذا الإسلام متجذر في المجتمعات العربية التي تعتبر الإسلام مكوّناً رئيسياً من مكونات ذهنيتها وثقافتها وتراثها، بل وحياتها اليومية. وينتشر الدين واللجوء إليه في جميع المجتمعات عندما تصيبها كوارث أو تصاب باليأس والإحباط، فترى في العودة إلى الدين أملاً وحيدًا بالخلاص، لذا لم يكن غريباً أن تزدهر موجة اللجوء إلى الدين في العالم العربي المصاب باليأس والإحباط  من المصير الذي وصل إليه على جميع المستويات. كما لا يفوت المواطن العربي لجوء الحكام أنفسهم إلى الاستعانة بالمؤسسات الدينية من أجل تدعيم شرعيتهم التي باتت موضع شكوك، فعقدت السلطات أحلافاً غير مقدسة مع هذه المؤسسات، التي تقوم وظيفتها على تبرير أعمال الحاكم والدفاع عن قراراته وسياساته، مقابل إباحة المجتمع لهذه المؤسسات بحيث تنشر ثقافتها في أرجائه، وتستخدم السلطة السياسية لقمع أي فكر اعتراضي أو أي اجتهاد في الدين، مما سهل عليها إطلاق تهم التخوين والهرطقة والتكفير، وبالتالي هدر دم هؤلاء “المرتدين” وفق منطق المؤسسات الدينية ورجالها. ومما ساعد أيضا على فعالية تنظيمات الإسلام السياسي، تلك السياسة التي مارسها بعض الحكام في الاعتماد على هذه التنظيمات لضرب المعارضة السياسية على غرار ما قام به الرئيس المصري أنور السادات الذي اعتمد في جزء من سياسته على الإخوان المسلمين لضرب المعارضة الناصرية  في السنوات الأولى من حكمه. لكن، لا يفوت القول أن صعود وهبوط أو انكفاء تنظيمات الإسلام السياسي كان يجري وفق مصالح الحاكم وسلطته، فعانت التنظيمات الإسلامية من اضطهاد مثلما عانت من احتضان.

يبقى السؤال، هل يشكل الإسلام السياسي كمشروع متجاوز للقومية، مستنداً إلى النص الديني وإلى نظريات في الحكم والسلطة، بديلاً متقدماً ومتجاوزًا للمشروع النهضوي العروبي الذي أصابته الضربات المميتة؟ الجواب سلبي بالتأكيد، فالإسلام السياسي بنهوضه وسعيه للسيطرة على السلطة، يشكل أعلى درجات انهيار المشروع النهضوي العربي. فهو مشروع استبدادي باسم الدين بلا منازع، وهو مشروع تمييز ضد غير المسلمين وحرمانهم من بعض حقوق المواطنية، وهو مشروع ضد العقلانية والحداثة، بل مشروع استعادة الأساطير والخرافات، وهو مشروع تهديد لوحدة المجتمعات العربية وبناها، كما تبدى في السنوات الأخيرة عندما أتيح له أن يتنسّم بعض مظاهر السلطة، وهو أخيرًا والأهم هو مشروع حروب أهلية داخلية لا تنتهي بين أطرافه نفسها وضد المجتمع في الآن نفسه. لعل ما يشهده العالم العربي اليوم من “إبداعات” هذا الإسلام السياسي وتنظيماته يكفي للحسم باستحالة هذا المشروع طريقا لنهضة الشعوب العربية والإسلامية من تخلفها. هو مشروع تكريس التخلف وتأبيده بامتياز.

ب ــ تصدع بنى الدولة العربية

لعل ما جرت الإشارة إليه في الأقسام السابقة خصوصاً ما يتصل بفشل المشروع النهضوي، وعجز الدولة الوطنية عن تحقيق برامجها الوطنية والاجتماعية، يفسر، إلى حد بعيد، المسار الذي بدأت الدولة العربية تمخر عبابه، لجهة التفكك والكف عن أن تشكل المساحة المشتركة بين أبناء الوطن، بحيث بدأ هذا التصدع ينمو ويتسع لصالح بنى ما قبل الدولة من العصبيات الفئوية والجهوية والطائفية والعشائرية.

من المعروف أن الدولة الوطنية استخدمت عملية قسرية في توحيد مجتمعاتها أو في تحقيق اندماجها. بدا تكون الدولة مفصولاً عن الواقع الفعلي، واستخدمت القوة القمعية في طمس المكونات الأصلية لهذه المجتمعات، وفرضت وحدة قسرية على البنى الداخلية لها بما سمح بالقول أن المنطقة العربية تجاوزت مكونات ما قبل الدولة لصالح الدولة الحديثة. كان يمكن لهذه التجربة أن تسود وتتثبت لو أن الأنظمة التي استولت على السلطة تمكنت من تحقيق البرنامج الطموح الذي سبق وطرحته. لكن الهزائم المتتالية التي أصابتها خارجياً وداخلياً وعجزها عن حل المعضلات التي تعيشها مجتمعاتها سمح للعناصر الأصلية لهذه البنى بأن تطفو على السطح مجددًا متحدية هذه المرة منطق الدولة بوصفها القوة الموحدة للمجتمع، وأن تطرح نفسها بديلا هذه المرة عن الدولة، أي السعي الدؤوب لانتقال مهمات الدولة إلى الجماعات الطائفية أو العشائرية والقبلية.

 في المثال العراقي، تكشف انهيار نظام البعث عن انفلات مكبوتات وغرائز طوائفية انفجرت عنفاً رهيباً يدمر اليوم العراق بشرًا وحجرًا. استعاد الصراع الشيعي – السني رمزيات وموروثات الصراع على الخلافة قبل أربعة عشر قرناً ، فانحكم الصراع السياسي بهذا الماضي و”تلبنن” المجتمع العراقي في حياته اليومية، فبات على العراقي أن يحدد انتماءه وفقاً لطائفته ومذهبه وإثنيته. يسير العراق اليوم حثيثا نحو تقسيمه على أساس طائفي وإثني. كما يتحول الولاء فيه من الدولة لصالح العشيرة والطائفة والقبيلة التي صارت جميعها ممرًا إجباريا للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية، إضافة إلى كونها الضمان للأمن والحياة الشخصية

نموذج آخر فاقع في تجسيده لتصدع بنى الدولة لصالح البنى الأهلية، هو الحال اللبنانية. يمثل لبنان الوجه الأبرز في غلبة الطوائف ومؤسساستها على الدولة وأجهزتها. يطل المشهد اللبناني اليوم على درجة عليا من الاصطفاف الطائفي بما يفرض توسط الطائفة في العلاقة بين الفرد والدولة، واعتبارها ممر الولاء الوطني. على امتداد عقود، شكل الانتماء الطائفي شرطاً للانتماء إلى مؤسسات الدولة، كما شكلت الطائفة قناة توزيع الدخل الأهلي. خاض المجتمع اللبناني في مراحل معينة صراعاً من أجل غلبة الدولة على حساب الطوائف، لكن الحروب الأهلية المتتالية، الساخنة منها والباردة، أدت إلى مزيد من هيمنة الطوائف على الدولة. ليس مبالغة تشبيه الحالة اللبنانية راهناً ب”المحميات” المسيّجة بجدران عالية، تقبع كل طائفة داخل سياجها وتمنع التواصل مع سائر الطوائف. لذا لم يعد من الغرابة في شيء أن يتحول اللبناني إلى طائفته أو مذهبه سبيلا لحمايته وتأمين رعايته وتحقيق مصالحه، ناهيك عن اعتبار الولاء الطائفي مصدر الوصول إلى مواقع إدارية أو سياسية في الدولة.

إذا ما تجاوزنا الكيانات الضعيفة التكوين وانتقلنا إلى قراءة الحالة المصرية، ستواجهنا معضلة ستكون لها نتائج خطيرة على مستقبل الدولة المصرية. تميزت مصر عن سائر الكيانات العربية بأنها الكيان الأكثر تماسكاً وامتلاكاً لمقومات الوطن-الدولة، وهو أمر له جذوره التاريخية في تكوّن الدولة المصرية وترسخ مؤسساتها البيروقراطية والمركزية. منذ هزيمة حزيران 1967، تسارع المسار الانحداري للمشروع القومي العربي بقيادته الناصرية، ليخلي الساحة تباعا لصعود الإسلام السياسي بأفكاره الأصولية والسلفية. ترك هذا المسار آثارًا سلبية عميقة طالت بنية المجتمع المصري والعلاقة بين مكوناته الأصلية، نجمت عنها علاقة متوترة بين المسلمين والأقباط.

في السنوات الأخيرة تجلى التصدع بل والانهيار في بنى الدولة بأعلى صوره في سوريا بعد الانتفاضة التي قامت فيها عام 2011، وفي اليمن وليبيا بعد التمرد على السلطات القائمة، فتسببت ردود الحكام في هذه الدول الثلاث في حروب أهلية لم تنته حتى الآن، وفي مصير للدولة لا يبشر بمستقبل في إنقاذ الحد الأدنى من مكوناتها.

لا تشكل النماذج المشار إليها سوى عينات عما تزخر به المجتمعات العربية من ألغام قابلة لأن تنفجر بناها في أي منعطف من تطورها التاريخي. لعل السبب الرئيسي، وليس الوحيد، هو العجز عن الدخول في الحداثة واستعصاء المجتمعات العربية عليها.

سادت في  حركة التحرر العربية بعض النظريات التي وضعت في صلب أهدافها محاربة الدولة وصولاً إلى تحطيمها، صدر منها عن أساس نظري قالت به الماركسية وبعض النظريات الفوضوية من اعتبار الدولة أداة في يد الطبقة الحاكمة تستخدمها في قمع الطبقة العاملة وسائر الجماهير الشعبية، مما يعني أن شرط تحرير هذه الجماهير يمر عبر تحطيم بنى هذه الدولة وأدواتها، وهو أمر أثبت التاريخ عدم صحته، فيما خلط آخرون بين الدولة ككيان وأرض وشعب ومؤسسات، وبين السلطة أو الحكم السائد في فترة محددة.

إن فشل مشروع الدولة في العالم العربي يمثل أكبر نكوص عن المشروع الحداثوي، ومن المؤسف أن الدولة عادت لتشكل “مقولة” أو في أحسن الأحوال “فكرة” من أجل المستقبل. وأسوأ ما في الأمر أن الوصول إلى تحقيقها بات حلماً لايعرف المواطن العربي متى يتحقق وبأي طريقة.

 

رابعا ــ في انفجار بنى المجتمعات العربية : الأسباب والتداعيات

لم يعد هناك من شك في المصير الأسود الذي انزلقت وتنزلق إليه بعض المجتمعات العربية، معبرة عن ذلك بانفجارات ساخنة، وحروب أهلية يشكل العنف فيها القاسم المشترك. كيف نقرأ هذه الانفجارات في أسبابها وتداعياتها؟ ما سيجري التطرق إليه لا يغطي كل هذه الأسباب أو ويؤشر إلى التداعيات، إنما يضيء الأهم منها.

1 ــ الانتفاضات العربية بين أحلام التغيير واستعصاء البنى

لعل ما جرت الإشارة إليه في ما سبق يكفي لتفسير المشهد الذي يقيم فيه العالم العربي اليوم لجهة انفجار بناه ودخوله مسار حروب أهلية في بعض أقطاره، نتيجة الانتفاضات التي اندلعت في بعضها، فيما تنتظر دول أخرى مصائر مشابهة. تحتاج الانتفاضات العربية، في وصفها نموذجاً لتصدع وتفكك وانهيار بنى الدولة إلى وقفة تأملية نقدية، بعد مرور أكثر من خمس سنوات على قيامها، لإجلاء الحقيقي والشكلي منها، وإظهار ما هو واقعي وما هو أوهام، لأن الحديث فيها وعنها هو حديث في صميم البحث في مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي.

بعد مرور عدة سنوات على انطلاق الحراك العربي، بدءاً من تونس، تحت شعار مركزي “الشعب يريد إسقاط النظام”، تحولت الانتفاضات انفجاراً في بعض المجتمعات العربية وفي بناها ومنظوماتها القائمة. أبرز مظاهر الانفجار، الحروب الأهلية الساخنة، وصعود الإرهاب بشكله الواسع في المنطقة العربية وخارجها، وتجلببه برداء الدين الإسلامي والسعي إلى إقامة دولته الدينية على تراب العالم العربي. حملت الكتابات والسجالات التي تناولت الموضوع آراء متناقضة ومتضاربة في فهم ما يحصل، منها ما كان خارج الموضوع، ومنها ما لامسه إلى هذا الحد أو ذاك. لكن الناقص هو الدخول في عمق الأزمة الانفجارية ببناها السياسية والثقافية والفكرية والدينية، وتجاوز محرّمات النقاش، واقتحام كل المناطق التي كانت تعتبر من غير المسموح التفكير فيها ومساءلة مضمونها. لماذا تحولت الانتفاضات التي بدت بارقة أمل عربي إلى كابوس رهيب ترتعب منه اليوم الشعوب العربية نفسها؟ وهل هذا المصير قدر دائم لا فكاك من شباكه؟ إنه سؤال الأسئلة.

لم يكن لا ربيعاً ولا ثورات

عندما اندلع الحراك في تونس ثم امتد لاحقاً إلى مصر، ونزلت الجماهير، بمختلف فئاتها وطبقاتها ونخبها إلى الشوارع، تطالب بإسقاط الأنظمة، رافعةً شعار الديموقراطية والدولة المدنية، ساد شعور مليء بالفرح لدى معظم الشعوب العربية، فهي ترى مشهداً لم تألفه منذ هيمنة أنظمة الاستبداد السياسي. سقط جدار الخوف المادي والمعنوي والنفسي، وخرجت الشعوب من سجنها الموصود عليها، واستعادت حقها في السياسة والتعبير. ترافق هذا الحراك مع نقاشات النخب الثقافية والإعلامية، التي وصفت الحدث بأنه ثورة بكل معنى الكلمة، وبأن الربيع العربي آت، تشبيهاً بربيع براغ 1968. في العودة إلى السنة الأولى للانتفاضات، غلبت الإحتفالية الشكلية عليها من دون النظر إلى معضلاتها وتناقضاتها وما يمكن أن تفرزه من نتائج، وخصوصا أنها تقع على مجتمعات عربية ذات تكوين بنيوي معاق، وعلى دول كانت قد بدأت تتفكك لصالح البنى العشائرية والقبلية والطائفية. ساد نقاش كاريكاتوري يتهم كل من يرفض توصيف الحراك بالثورة بأنه انهزامي. كما سادت نظريات كثيرة من نوع أن الثورة تنبع اليوم من وسائل التواصل الاجتماعي التي تحشد على صفحاتها الملايين، وأن منطق التنظيمات الحزبية  قد سقط لأن الجماهير لا تحتاج الى مثل هذه الأطر، فهي قادرة على إسقاط من تريد بحشودها المليونية. وارتفعت أصوات تصف ما يجري بالثورات الناعمة التي أنتجها الـ”فايسبوك”، في وقت كانت الدماء تسيل في كل بلد من بلدان الانتفاضات.

هذا السلوك الذي انخرطت فيه النخب العربية تهليلاً لما حصل، وتحميل الحراك القائم ما لا يمكنه تحمله من مهمات سياسية وفكرية وتغييرية، لا يستعصيان على الفهم والتفسير. فهذه النخب كانت مصابة، بحق، بالإحباط  واليأس من إمكان التغيير في العالم العربي في ظل أنظمة عاتية في استبدادها استطاعت أن تبيد المعارضات، سجناً وتهجيراً وقتلاً، فما إن لاحت بادرة تمرد على هذه الأنظمة، حتى ضخّمتها وأعطتها توصيفات لا أساس لها، من قبيل “الربيع العربي” أو الثورات المتواصلة. لذلك احتفت بالحدث من دون أن تناقش تناقضاته واحتمالاته المقبلة. لكن الزمن لم يتأخر في انكشاف حدود هذه الانتفاضات ومآزقها البنيوية، بعدما أنجزت شيئاً محدوداً من شعاراتها على صعيد إسقاط رأس النظام في بعض الدول، من دون التمكن من تغيير مؤسساته ومنظوماته البنيوية. ما إن استقرت الأمور وبدأت الانتفاضات تأخذ مجرى إعادة تكوين السلطة، حتى تبخرت الشعارات والأحلام الوردية التي توهمتها هذه النخب، فتحولت خطب كثيرة إلى نقيضها. بات الربيع العربي خريفاً وشتاءً، وارتدّت نخب كثيرة عن مواقفها المعارضة للأنظمة نحو إعادة الالتحاق بها تحت حجة خطر الإرهاب الذي فجّرته الانتفاضات، والذي يفوق في نظرها قمع الأنظمة القائمة التي يظل بقاؤها أضمن للحد من هذا الإرهاب.

إن عدم تعيين حدود الحراك والانتفاضات، والغوص في تناقضات البنى العربية التي يسقط عليها هذا الحراك، والإصرار على أن ما جرى هو ثورات، أدت الى التخبط في قراءة التحولات والتطورات الجارية  في العالم العربي، وتسببت في إصدار أحكام عدمية في كثير من الأحيان حول الراهن والمستقبل. فالمنطلق الخاطئ في تحميل الانتفاضات مهمات تغيير ثوري، هو الوجه الآخر للإحباط الذي أصاب النخب العربية من استحالة التغيير في ظل الأنظمة القائمة. وهو سيصل حكماً الى نتائج خاطئة في التحليل والخلاصات. هذا ما وقعت فيه نخب كثيرة خلال السنوات الأخيرة.

في بعض العوامل الموضوعية والذاتية لاندلاع الانتفاضات

تتعدد العوامل والأسباب التي أدت إلى اندلاع الإنتفاضات العربية، وتتفاوت بين بلد وآخر، لكنّ القاسم المشترك في ما بينها أنها انفجار الإحتقان السياسي والاجتماعي، الناجم عن انسداد آفاق التطور وعن تفاقم التناقضات. تحت هذا السقف يمكن قراءة خصوصية كل انتفاضة قامت أو ستقوم لاحقاً. يمكن تعداد بعض العوامل التي أدت إلى الإنفجار، والتي تشترك فيها جميع البلدان العربية عموماً.

بعيدًا من النظرات التشكيكية التي أطلقت حول توقيت انطلاق الحراك الجماهيري في العالم العربي، واتصالها بمنطق المؤامرة الدائمة التي تقودها الدول الغربية وإسرائيل في إطار بناء الشرق الأوسط الجديد، وتقسيم العالم العربي وتحويله دويلات طائفية ومذهبية ومنع توحده، للهيمنة على ثرواته، من واجب القوى السياسية والنخب والمثقفين طرح السؤال الفعلي والمنطقي: لماذا تأخر حراك الشارع العربي إلى هذه الفترة المديدة جدًا من عهود الظلم والقهر؟ ولماذا ظلّ العجز عن كسر جدار الخوف قائماً وصلباً إلى هذا الحد، فيما تقدم وقائع التناقضات والإختلالات المتعددة الجوانب أكثر من حافز للثورة على الأوضاع السائدة؟

1 ــ لم تتكوّن الأنظمة العربية استنادًا إلى عملية ديموقراطية قائمة على انتخابات عامة، وعلى تداول سلمي للسلطة، بل على أساس انقلابات عسكرية قادتها نخب من العسكريتاريا العربية، أطاحت الأنظمة السائدة.  هكذا وبعد نحو ستة عقود من سياسات ممعنة في إلغاء مشاركة الشعوب العربية في الحياة السياسية وتهميش القوى المعارضة، وجدت الشعوب نفسها أمام حالة من الاحتقان والكبت، محجوزةً في قالب حديدي. وفي ظل عالم مفتوح على التأثر والتواصل، وانتشار قيم الحقوق الإنسانية، كان لا مفرّ أن يكون تصريف الإحتقان عبر “انفجارات” شعبية اتخذت في كل مكان شكلاً متوافقاً مع واقع البلد.

2 ــ تشكل الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والمعيشية التي آلت إليها المجتمعات العربية، عنصرًا وازناً من عناصر الحراك الاجتماعي. على امتداد عقود من السياسات الإقتصادية والإجتماعية، تحولت الوعود بالتنمية الشاملة، إلى تعميق الإختلالات الإجتماعية وإلى المزيد من القهر. اقترن شعار المحاسبة ومعاقبة المفسدين بشعارات الحرية والكرامة والخبز، وصولاً إلى الشعار المركزي، إسقاط النظام، في وصفه العامل الحاسم الذي يمكن أن يضع حدًا للفساد والمفسدين.

3 ــ شهدت المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة نوعاً من الإنفجار السكاني نتيجة تزايد عدد الولادات. أنتجت هذه الزيادات أعدادًا من الشباب مثّلوا أكثر من نصف السكان، بحيث تحولت هذه المجتمعات عملياً إلى مجتمعات شابة. اقتصرت الإفادة من فرص العمل على عدد محدود من متخرجي الجامعات، وعلى أصحاب الإنتماءات الحزبية إلى النظام الحاكم، أو على من توجهت ولاءاتهم الفئوية ومحاباتهم للفئات الحاكمة، بحيث لم يكن مقياس الكفاءة هو الأساس في الحصول على الوظيفة. هكذا شعرت أعداد واسعة من الشباب بحجم الثمن الذي يجب أن يدفعه المتخرج الجامعي للحصول على الوظيفة، فسادت مشاعر الإحباط واليأس من أنظمة تعجز عن تأمين فرص العمل لأبنائها.

4 ــ لم يكن انخراط أجيال الشباب في التعليم والتحصيل الثقافي معزولاً عن التطورات العلمية التي أنتجتها ثورة التكنولوجيا وخصوصاً في مجال الإتصالات. لم يكن هذا الإحتكاك بحاجة إلى تخصصات عالية غير متوفرة، مما أعطى جيل الشباب فرصة التعرّف إلى العالم بمختلف جوانبه، بل والتفاعل مع مختلف الشعوب وشبابها في بلدان العالم، بما فيها من تبادل الهموم، ومعرفة مشكلات المجتمعات المتنوعة. سمحت وسائل الإتصال الحديثة، بتكوّن ثقافة سياسية عالمية، وباطلاع الشباب على الفكر السياسي خصوصا في مجال الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان. كان لكسر هذا القيد الإعلامي والمعرفي أثر كبير في نجاح الإنتفاضات التي حصلت في أكثر من دولة عربية، حيث يسجل لأجيال الشباب استخدام ثورة الإتصالات ووضعها في خدمة الحراك السياسي الجاري، وربط المناطق بعضها بالبعض الآخر، وتأمين التواصل غير المحدود بين فئات الشعب، وإلغاء أنظمة الرقابة وتقييد حرية الفكر التي كانت عماد سياسات الأنظمة ضد الحياة السياسية. هكذا لعبت الميديا بكل منوعاتها دورًا مركزياً في الحراك السياسي الشعبي الذي اندلع في الأماكن الساخنة. ولا بدّ من الإعتراف بأنه ما كان للإنتفاضات التي قامت، أن تشهد هذا النجاح، لو لم تؤدّ وسائل الإعلام والإتصال دورها في إيصال الخبر والصورة والتعليق السياسي والتحريض وترويج الشعارات إلى كل مكان.

5 ــ ساهمت الميديا الرقمية في إطلاق نظريات على الإنتفاضات أو “الثورات” بوصفها صنيعة هذه الميديا، أو ثورة الإنترنت والـ”فايسبوك”. تستحق هذه النظرية نقاشاً موضوعياً، بعيداً من العدمية أو التضخيم. لا شكّ أنّ الدور الذي لعبه الشباب الحاصل على تقنية المعلومات والقادر على استخدامها في الآن ذاته، كان أساسياً في إطلاق الحراك الشعبي وإيصاله إلى مختلف الأنحاء، وتأمين التفاعل معه من أوسع الفئات الإجتماعية. لكن التكنولوجيا، مهما كان تطورها، لا تصنع وحدها حراكاً شعبياً واسعاً بالشكل الذي شهدناه ونشهده. فهي عنصر دافع ومكمّل، وشرط ضروري، لكنه غير كافٍ. ذلك لأنّ الأساس الذي سمح للتكنولوجيا بأن تفعل فعلها، هو الإحتقان الشعبي الناجم عن الإستبداد السياسي والبؤس الإجتماعي وتهميش الفئات الواسعة من المجتمع، وحجم الفساد المستشري، وهذه عوامل تشكل القاعدة الموضوعية للإنفجارات الحاصلة. إنّ اقتران هذا الإحتقان باستخدام التكنولوجيا هو الذي جعل الحراك الشعبي يأخذ طابعاً إنفجارياً وشاملاً، ما يؤكد العلاقة الجدلية بين تطور العلم، والتقدم الإجتماعي والسياسي، ومدى القدرة على توظيف منتجات العلم في خدمة التغيير السياسي والإجتماعي.

في مأزق الانتفاضات ومعضلاتها

لماذا أدت الانتفاضات الى تفجير المجتمعات العربية، ولماذا كان مستحيلا ان تتحقق الديموقراطية المنشودة والمطالب التغييرية الشاملة، ولماذا كانت هذه الانتفاضات محكومة بأن تتحول حروباً أهلية طاحنة تدمر ما راكمته هذه المجتمعات من تحديث وحداثة؟ أسئلة ضرورية لفهم التطورات الجارية، بعيداً من التبسيط والاختزال.

لا يحتاج المشهد العربي الراهن إلى كثير من التخمين حول مآل الدول العربية. فالإنفجارات الساخنة والباردة تسكنها، ولا يكاد ينجو بلدٌ من اضطرابات تهدد كيانه بالخطر. فعوامل الإنفجار الأساسية كامنة في داخل المجتمعات، التي كأنها تقذف اليوم ما في جوفها بعدما رفع الغطاء والضغط عن المكنونات المتراكمة.

أول العوامل الموضوعية التي تفسر الإنفجار في بنى المجتمعات العربية، يعود إلى العناصر التي تتكوّن منها هذه البنى، وعجز الدولة عن التكوّن على حساب هذه البنى، على غرار ما عرفته البلدان الحديثة ( وهو ما جرت  الإشارة إليه مفصلا).

إذا كانت قراءة انفجار البنى العربية محكومة في الأصل بأن تنطلق من الأسباب الداخلية والتناقضات التي تعتمل داخلها، فإن العوامل الخارجية لعبت دوراً، ولا تزال، في تفاقم هذه التناقضات، ووضع معوقات كثيرة في وجه بناء الدولة. يشكل الصراع العربي – الصهيوني عنصراً مركزياً في خلخلة بنى المجتمعات العربية.

عشية الانتفاضات، ساد خطاب مشترك بأن الذهاب الى النهاية في إسقاط الأنظمة سيعني انفجار الحروب الأهلية، فبات كل رئيس يصرّح علناً: أنا أو الانهيار الشامل. كلما اشتدت وتيرة الصراع والحشد الجماهيري في الشوارع، زاد الحكّام تشبثهم بالسلطة، بل أن نظاماً كالنظام السوري كان يرى أن تفجير حرب أهلية في سوريا خير ضامن لبقائه في السلطة. لم يكن غريباً أن تتحول التظاهرات السلمية في بلدان الانتفاضات الى صراع دموي. فنحن أمام أنظمة ترفض كلّ تسوية أو حل يودي بسلطتها أو يحد منها. جوابها كان دوماً، أن ما يجري هو مؤامرة خارجية تستخم الإرهاب لإسقاط الأنظمة. باستثناء تونس إلى حد ما، وبسبب خصوصية مجتمعها السياسي والمدني، تحولت الانتفاضات في سوريا ومصر وليبيا واليمن إلى حروب أهلية طاحنة، وباستثناء مصر التي لعب الجيش فيها دوراً خاصاً، ها هي سائر الدول تعيش في مطحنة الحروب الدموية بعدما انفجرت مكوّناتها البنيوية، ولم تنج مصر حتى الآن من هذا العنف.

معضلة غياب قوى التغيير

سقطت الانتفاضات العربية على مجتمعات كانت قوى المعارضة فيها منهكة أو مُبادة تحت وطأة سياسة ممنهجة لضرب القوى التي ترى فيها الأنظمة خطراً عليها. فالقوى الديموقراطية، يسارية أو ليبيرالية، كانت متلاشية وعاجزة عن استقبال التطورات الجديدة والدفع بها إلى الأمام. كان الافتقار إلى القدرة لدى هذه القوى نابعاً من سياسة الأنظمة، ومن شيخوخة هذه القوى وعجزها عن تجديد منظومتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، بما جعلها وبرامجها خارج السياق الجديد.

أما القوى الشبابية التي اعتبرت أنها هي التي أطلقت الانتفاضات، فقد كانت تفتقر إلى الخبرة في النشاط السياسي وإلى التنظيم في أطر ومؤسسات تمكّنها من مواصلة التأطير والفعل داخل المجتمع، كما كانت تفتقر أيضاً إلى الرؤية السياسية ووضوح الأهداف والبرامج. لم يكن للفورات الأولى أن تستمر إلى الأبد، لذا سرعان ما تقلصت الحشود، ولم تعد الحشود المليونية على مواقع التواصل الاجتماعي تجد ترجمة لها على الأرض، مع العلم أن وجود مئة مواطن يتصدون لأجهزة السلطة على الأرض يوازي، بل يفوق في الأهمية، ملايين التوقيعات على الانترنت، التي لا تعني سوى الدعم المعنوي. مع تعثر مسار الانتفاضات، عادت القوى التقليدية لتحتل الصدارة في بعض الدول، وتحولت الانتفاضات إلى العنف المسلح بقرار من الحاكم العربي، مما ضاعف من هامشية القوى الشبابية وأوقعها في تخبط كبير.

اما المجتمع المدني فلم يكن له دور فاعل، وهذا غير مستغرب بالنظر إلى طبيعة تكوينه المتصل اتصالاً وثيقاً بطبيعة البنى المجتمعية العربية. لعل هذا القول للمفكر الجزائري محمد أركون يختصر حال مجتمعاتنا المدنية: “في البلدان العربية والإسلامية لا يوجد مجتمع مدني أولاً، ولا يوجد ما يمكن أن ندعوه بالفرد – المواطن ثانياً (مفهوم المواطن غير موجود نظرياً أو عملياً). يوجد فقط جهاز دولة قسري يمارس سلطة استبدادية على المجتمع. وهذا المجتمع نفسه ليس منسجماً ولا موحداً كالمجتمعات الأوروبية الحديثة، وإنما هو متشكل من تجمع ناشز من القبائل والعشائر والعائلات والطوائف المتنافسة أو المتنافرة، وكلها تدافع عن مصالحها وتضامناتها وعصبياتها ضد العصبيات الأخرى. تالياً، فإن الولاء الحقيقي في هذه البلدان ليس للأمة أو للدولة بقدر ما هو للقبيلة او الطائفة أو العائلة”.

لماذا برزت القوى الإسلامية وتصدرت الانتفاضات بعد خفوت الموجات الأولى من الحشود المليونية؟ لا يدعو إلى الإستغراب بروز هذه القوى بقوة. فإبادة قوى التقدم والديموقراطية التي مارستها الأنظمة وأجهزتها الأمنية لم تطل قوى التيارات الإسلامية. بل كانت سياسة الأنظمة متعددة الجانب، تستعين مرات بالتيارات الإسلامية ضد القوى الديموقراطية كما حصل مع السادات في مصر، وتسعى أحياناً الى الحد من نفوذ قيادات هذه التيارات عندما تتنطح للوصول إلى السلطة. وعندما اندلعت الانتفاضات، كانت تيارات الإسلام السياسي تتمتع بمقدرات تنظيمية ومواقع راسخة في قاع المجتمعات العربية وفي المؤسسات المهنية، مما جعلها تحقق مكاسب بدت مذهلة في الانتخابات النيابية. كان من الضروري أن تكشف تيارات الإسلام السياسي عن وجهها الحقيقي عندما أتيح لها أن تصل الى السلطة، بحيث ظهر برنامجها متخلفاً وخارج التاريخ، فئوياً، إقصائياً ومستخدماً العنف لفرض وحدانية سلطته، كما برز في تونس وفي مصر.

الثقافة الديموقراطية المنقوصة

رفعت الانتفاضات شعارَي الديموقراطية والدولة المدنية، وهما شعاران مترابطان. لكنهما كانا يسقطان على مجتمعات عربية تشبعت بهيمنة إيديولوجيات وثقافات فئوية وتقليدية، يجمع في ما بينها العداء للديموقراطية وعدم الإعتراف بالآخر، بل إقصائه واستئصاله. تحكمت بالعقلية العربية وبثقافاتها أيديولوجيات شمولية تمثلت في الفكر القومي العربي والتيارات الإشتراكية والشيوعية والثقافة الدينية المهيمنة. لم تكن هذه الإيديولوجيات الثلاث قادرة على نشر الديموقراطية لافتقارها إلى قيمها في الفكر والممارسة. هكذا تحكمت سياسة الإقصاء والنبذ في الفكر القومي العربي ضد الأقليات والمجموعات الإثنية غير العربية، وأقصت كل التيارات المعارضة للشوفينية القومية، بل نكّلت بها وأبادت بعضها جسدياً. وإذا كانت التيارات الشيوعية والإشتراكية لم تتمكن من ممارسة الحكم على غرار الحركة القومية، إلا أنها تصرفت على النمط نفسه الذي مارسته الأحزاب القومية، عندما أتيح لها أن تكون شريكة في الحكم. أما الذهنية التي تحكمت بها العقلية الدينية، فهيمنت عليها الغيبيات والابتعاد عن العقلانية، واختلاط الأساطير والخرافات بالتراث الديني. لم تكن التيارات الدينية أقل شوفينية وتعصباً ونبذا للآخرين من سائر التيارات المهيمنة، ولقد تكشفت تصوراتها السلطوية مع الانتفاضات وطموحاتها الخرافية في إعادة التاريخ  خمسة عشر قرناً إلى الوراء، من طريق الدعوة إلى دولة دينية وفق نموذج الخلافة الراشدية.

كسرت الانتفاضات محرّمات على مستويات متعددة كانت ممنوعة على الشعوب العربية. طرحت شعار تغيير الأنظمة السياسية الديكتاتورية التي تعتبر الأم الشرعية لكل التنظيمات الإرهابية القائمة، ونزلت الشعوب الى الشوارع تحت شعار إسقاط النظام وتحقيق الديموقراطية، وكسر التحريم الذي كان مفروضاً حول النقاش في الدين وعلاقته بالسياسة وصلته بتبرير العنف، وبات خطاب الإصلاح الديني أو خطاب التجديد فيه مشروعاً، وبذلك كسرت أيضا هيبة مؤسسات دينية، شكلت الوجه الآخر لسياسة الأنظمة في قهر الشعوب العربية وتشويه ثقافتها.

2  ــ الإسلام السياسي في الممارسة : داعش نموذجاً

تنتشر تيارات الإسلام السياسي في جميع البلدان العربية تقريباً، تتفاوت في انتماءاتها المذهبية بين بلد وآخر، وإن كانت الغلبة للمذهبين السني والشيعي. كما تتفاوت في قوتها السياسية ومدى انتشارها الشعبي، وموقعها داخل مؤسسات المجتمع، السياسية والمدنية والاقتصادية.. عرفت صعودًا خلال العقد الأخير ودقّ بعضها أبواب السلطة. ساهمت الانتفاضات العربية في نفخ الروح القوية لدى معظم هذه التيارات، ودغدغت لديها أحلام الاستيلاء على المجتمعات العربية تمهيدا لمشروع إعادة الخلافة إلى المسلمين. لم يعد الحديث عن تكهنات في سلوك الإسلام السياسي وتعبيراته،  عندما يتسنى له السيطرة في بلد ما، فالنماذج التي تمكنت في بعض البلدان العربية، وآخرها ما يسمى بدولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، ومعها تيارات جهادية من قبيل “جبهة النصرة” وغيرها من التنظيمات غير معروفة العدد، هذه الممارسات تقطع بالوجهة التي سيرسو عليها الحكم في المجتمعات العربية، وعلى نمط الحياة المدنية التي ستفرضها هذه التنظيمات على أبناء هذه المجتمعات بقوة السيف والقتل والذبح الحلال باسم الإسلام والعودة إلى السنة النبوية وإعلاء شأن الأمة التي اعتبرت “خير أمة أخرجت للناس”. صحيح أن المظهر الذي تقدم فيه كل حركة من تنظيمات الإسلام السياسي نفسها يجري تجميله ليبدو سلمياً أو معتدلاً، لكن السنوات الأخيرة بيّنت كم أن هذا المظهر مخادع وشكلي. فما أن تلوح لهذا الطرف إمكان وصوله إلى السلطة حتى يكشف القناع الحقيقي عن وجهه، لجهة الطابع العنفي والإقصاء والاحتكار، واعتبار نفسه ممثلاً للدين الحق فيما يقيم الآخرون في الضلال. إذا كانت “داعش” تشكل المنظر الأكثر فجاجة في ممارستها وفكرها، فإن سائر التنظيمات الإسلامية الأصولية ليست سوى “دواعش صغيرة”. لذا يمكن أن نجد في “داعش” الراهنة كل مكونات سائر التنظيمات الإسلامية، بعيدًا عن ادعاءتها في تقديم نفسها للعالم العربي وغير العربي.

“داعش” نتاج مجتمعاتنا العربية  وثقافتها التقليدية

اقتحمت ظاهرة “داعش” المجتمعات العربية ومعها العالم أجمع، بحيث باتت تصنف وكأنها الظاهرة التي تهدد العالم بمجمله من خلال ممارساتها الإرهابية. الغريب في الأمر هو هذا الاستهجان الذي يرافق قراءة الظاهرة، وكأنها سقطت علينا فجأة من سماء صافية. على رغم أن تفسير الظاهرة لايحتمل تعقيدات نراها، بل هو بسيط جدا، إلا أن ما يرافق القراءات اليومية في كل أنحاء العالم بات يضفي هالة خرافية وأسطورية على هذا التنظيم. بكل بساطة، ظاهرة “داعش” هي محصلة جملة عوامل في مجتمعاتنا العربية، يتقاطع فيها الانهيار البنيوي لمشاريع الإصلاح، بحيث سيطر التخلف والفقر والبطالة والتهميش على أجيال من الشباب. كما تتقاطع مع سيادة الاستبداد والقمع والقتل بدم بارد في كل البلاد العربية التي تحكمها ديكتاتوريات قضت على حرية الرأي والفكر والإعلام باستثناء ما تبثه أبواق مؤسساتها. ويتغذى هذا الواقع من أيديولوجيا دينية تعطيها شرعية إلهية، ايديولوجيا قائمة على قراءة للنص الديني بعيدا عن سياقه التاريخي والجغرافي، بحيث يتم انتقاء ما تجاوزه الزمن ويجري اعتماده في التوجيه.

يجري بكثرة إطلاق تعبير المؤامرة على ظاهرة “داعش”، وينسب الى الغرب اختراعها وتصديرها إلى مجتمعاتنا. ليس هناك أسخف من هذه القراءة المؤامراتية التي تلغي مسؤولية مجتمعاتنا وأنظمتها عن إنتاج الظاهرة. لا يعني هذا القول نفي وجود المؤامرة في كل أحداث التاريخ. في ظاهرة “داعش”، مهم جدا قراءتها بوصفها ظاهرة قائمة بذاتها لها أسبابها الموضوعية، من دون أن يلغي ذلك الاعتراف بتوظيفها واستخدامها من قبل القوى السياسية، محلية كانت أم عالمية. هذا التمييز يمنع الخلط بين ما يجب رؤيته موضوعيا، بحيث يمكن طرح العوامل التي تقلص من الظاهرة أو تحد من انتشارها. “داعش” اليوم لا يضم ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام فقط، بل هو ظاهرة أشمل بكثير تطال التنظيمات التي تصنف نفسها في خانة الإسلام السياسي، كما، ليس مبالغة وصف الأنظمة العربية التي تمعن في قتل شعبها بأنها “داعشية” بامتياز. اذا كانت “داعش” تقدم منظرا بشعا وهمجيا في عمليات القتل التي تمارسها، إلا أن الأنظمة القائمة تقوم بمهمة القتل نفسه بل وبشكل أوسع، فالمشترك بين الأنظمة والتنظيمات الدواعشية هو القتل والابادة، بصرف النظر عن طريقة  هذا القتل التي تظل شكلية. فالكل في الهوى “دواعش”.

“داعش” تعبير عن الانهيار النهضوي والبنيوي

إن القراءة الموضوعية لظاهرة “داعش” وأخواتها محكومة بان تقرأ الظاهرة من جميع جوانبها وان تتجنب النظرة الأحادية الجانب السائدة اليوم لدى كتاب ومفكرين وسياسيين. “داعش” تمثل أعلى درجات الانهيار البنيوي الذي تشهده المجتمعات العربية، وهو انهيار أطاح بمشروع نهضوي كان يتكون تدريجا منذ قيام الاستقلالات في المجتمعات العربية. إن أبرز تجليات هذا الانهيار هو تقلص موقع الدولة الممثلة لدرجة من الحداثة، لصالح العصبيات الطائفية والمذهبية والإثنية.. لعل الانتفاضات العربية التي قامت، والتي ستقوم مستقبلا، قد كشفت بوضوح حجم هذا الانهيار وفضحت هشاشة الدولة المتكونة ومؤسساتها، فوضعت المنطقة أمام فوضى كيانية. يخطيء كثيرا من ينسب الى الانتفاضات العربية السبب في نشوء “داعش” ومثيلاتها، فالانتفاضات هي التعبير عن انفجار بنى المجتمعات العربية تحت وطأة عوامل متعددة.

“داعش” والقراءة الخاطئة للنص الديني

“تقدم “داعش” بوصفها ناطقة باسم الإسلام وتقاتل من أجل نشره وإعادة الخلافة الإسلامية والسير على خطى السنة النبوية.. من الضروري مناقشة “داعش” في منطقها الديني والجواب عليها من المؤسسات الدينية نفسها.  تسود حفلة نفاق في العالم العربي هدفها التبرؤ من “داعش” وتنزيه الدين الإسلامي من فكر هذا التنظيم وممارساته. يشارك في الحملة رجال دين وفقهاء وقادة سياسيون. لا شك أن حجم الفظاعات التي يرتكبها “داعش” وسائر تنظيمات الإسلام السياسي قد فتح الأعين على هذا العنف المستند في نظر أصحابه إلى المشروعية الدينية، وأحرج المؤسسات الدينية نفسها. من المؤكد أن هذه الأصوات المستنكرة والرافضة لأن يكون “داعش”  يعبّر عن الدين الإسلامي ضرورية وواجبة، وأهميتها أنها تستعيد ما هو أخلاقي وإنساني وروحي وتسامحي في الإسلام، وهذه أمور أساسية تعبّر فعلاً عن الإسلام وتبرهن عليها نصوصه المقدسة.

لا يفيد التجاهل الذي يتعمده مهاجمو “داعش”، والذي بموجبه ينفون أن يكون الإسلام في نصه المقدس، أي القرآن، يعطي مشروعية  للإرهاب الذي يمارسه الإسلام السياسي وفي مقدمه “داعش”. يستند هذا الإسلام إلى آيات في القرآن تشرّع العنف ضد غير المسلمين، وهي آيات نزلت في سياق الصراع من أجل نشر الدين الإسلامي زمن الرسالة، ولمواجهة العنف الذي جرت ممارسته ضد النبي والمسلمين في ذلك الزمن. لم يعد لهذه الآيات من موقع في الزمن الراهن. تالياً يمكن القول إنها لا تمثل الإسلام. لكن هذا الرأي يحتاج إلى أمور متعددة. لم تُجر المؤسسة الدينية مراجعة للنصوص المقدسة استنادًا إلى قراءة تاريخية لها تأخذ في الاعتبار ظروف نزولها وأسباب هذا النزول، لتفرز بين ما هو مستمر في صلاحيته لهذا الزمن ولأزمان أخرى. المقصود بذلك ما يتعلق بجوهر الدين الإسلامي حيث الأساس فيه هو القانون الأخلاقي الكلي وما يترتب عليه من التسامح والمحبة والمعاملة بالحسنى، إضافة إلى الجانب الروحي والإنساني المطلق. مما يعني إعادة النظر في مدى صلاحية سائر النصوص غير المتصلة بهذا الجانب الأخلاقي والإنساني، ومدى مشروعيتها، وفي مقدمها آيات العنف والتمييز بين المواطنين على أساس الدين.

من جانب آخر، ولد “داعش” من رحم مجتمعات عربية تسود فيها ثقافة موروثة يجري بناؤها وشحنها كل يوم في مختلف المجالات وعلى جميع المستويات. تشكل كتب الفقه، المرجع الذي تستند اليه تيارات الإسلام السياسي، وهو فقه وُضع في زمن معين، ولم يكن بعيدًا من السياسة وهيمنة السلطان على الثقافة والمثقفين. تركز هذه الكتب على خلق أحكام تشريعية انطلاقاً من النصوص المقدسة التي تتصل بزمن النشأة والحروب الإسلامية مع سائر المكوّنات الموجودة آنذاك، وتمدّ كتب الفقه تشريعاتها إلى أحاديث الرسول فتقتطف منها ما يناسب موقعها السياسي ومصلحة الطائفة أو المذهب. ثمة خطورة كبرى يدفع المسلمون ثمنها، في كتب الفقه هذه التي اعتبرها أصحابها نصوصاً مقدسة توازي النص القرآني، بل وتتغلب عليه في كثير من الأحيان، فيما هي نصوص بشرية مرتبط إنتاجها بزمن معيّن وبدرجة وعي هذا الفقيه في ذلك الزمن، في حين أن العالم تغيّر في علومه وثقافته ووسائل الاتصال، بما يتجاوز بكثير حدود المعرفة عند إنتاج الفقه. الأغرب أيضًاً أن من يستمع إلى رجال الدين وخطباء المساجد، يلاحظ أن النص القرآني هو الأضعف والأقل رواجاً، فيما تطغى فتاوى الفقهاء القديمة. لا نرى فقهاء يتنطحون لإنتاج فقه حديث يواكب العصر والزمن والتطور، وكأن التاريخ  قد توقف قبل ألف عام ولا حاجة لأي اجتهاد بعد ذلك.

يتغذى “داعش” وأخوته وأخواته من كتب التعليم الديني المليئة بالحقد والكراهية ضد غير المسلمين، والمنطلقة أساساً من كون المسلمين “خير أمة أخرجت للناس”، ومن “إن الدين عند الله الإسلام”، مما يعني ضرورة انضمام البشر إلى هذا الدين، وإلا اعتبروا من الكفار. هذه الكتب التي تعج بها المعاهد الدينية في كل مكان في العالمين العربي والإسلامي، وتشرف عليها المؤسسات الدينية المختلفة والمتنوعة، تزرع في عقول المسلمين منذ الصغر إرهاباً كامناً ينمو ويترعرع ليجري توظيفه لاحقاً تحت حجة نشر الإسلام وتحقيق إرادة الله فيه.

تشكل الفضائيات الدينية التي يتجاوز عددها الخمسمئة محطة أهم الوسائل في إيصال هذا الفكر ومنظومته الفقهية إلى كل مكان في العالم، فيدخل إلى بيوت المسلمين، من دون استئذان، ويساهم مساهمة أساسية في تكوين ذهنية المسلم، وزرع “العظمة الشخصية” عنده، لأن الله اختاره وفضّله على العالمين، بما يؤسس لموقف عنصري من الآخر غير المسلم. إلى الفضائيات، تشكل المساجد موئلاً مهماً جدًا لزرع الفكر التكفيري لدى المسلم: المسجد بما يمثله من هيبة، كونه بيت الله؛ والخطيب بما يسبغه على نفسه من أنه ينطق بكلام الله، بل ويمثله، والوعود التي يطلقها الخطيب عن الجنة المنتظرة للمجاهدين في سبيل الله ولقاء الرسول والتمتع بالحور العين إلى أقصى الحدود. يجري حشو العقول بأن النعيم كل النعيم هو في الجنة وليس في الحياة الأرضية. يشكل هذا التنظير الإيديولوجي مادة مهمة تجعل الشاب المسلم يقدم على العمل الإرهابي، لأنه الممر إلى النعيم في الجنة.

يبقى أخيرًا القول إن الأعمال الإرهابية التي يقوم بها “داعش” وأخوته وأخواتها، انما تستلهم “الزمن الجميل” الذي كان سائدًا، من وجهة نظره، في المرحلة الإسلامية الأولى وخلال عهود الصحابة. لمن يراجع تاريخ الصراعات الإسلامية – الإسلامية، والصراعات مع الشعوب الأخرى، يكتشف أن الزمن يعيد نفسه، وما نستهوله من ممارسات في القرن الحادي والعشرين، سبق أن عرفه العرب والمسلمون في تاريخهم السحيق. وما استعادة تلك التقاليد في التعاطي مع الخصوم سوى ترجمة مقابلة لطريقة قراءة النص الديني بحرفيته. ليس في الأمر غرابة سوى لدى أبناء الزمن الحاضر، زمن الاعتراف بالآخر وحقوق الإنسان والعلاقات السلمية وغيرها. أما بالنسبة إلى “الدواعش”، فزمننا هو الجاهلية وزمن الانحطاط الأخلاقي وزمن الكفر وزمن الارتداد عن الدين. الحل في نظر “الدواعش” هو إعادة المسلمين وغير المسلمين إلى “زمنهم الجميل” لكي تستقيم أمور الدين والدنيا.

خامساــ عن مستقبل الدولة الوطنية : احتمالات الراهن وشروط النهوض

هدفت الأقسام السابقة من النص إلى تسليط الضوء على مسار تطور الدولة الوطنية، من النهوض إلى النكوص، وهو تطور وصل اليوم إلى مفاصل مصيرية تحكم الراهن وتحدد مصير المستقبل. وسط الخراب والدمار ومسلسل الحروب الأهلية المتواصلة، يطرح سؤال له كل المشروعية عن مستقبل الدولة الوطنية العربية وعن إمكان النهوض مجددا؟ إذا كان المسار التاريخي للمجتمعات ينفي أي عدمية أو جمود بل حتى مراوحة في مسار التاريخ، فإن ما يدعو إلى الحديث عن مستقبل عربي هو حديث في مكانه، لأن الشعوب العربية حالها كحال شعوب أخرى أصابتها المحن، وأمكن لها استعادة النهوض والاستنهاض. لا تنبع هذه النظرة التفاؤلية من رغبات ذاتية، بمقدار ما أن المسار التاريخي  والتناقضات التي تعتمل في البنى الاجتماعية  تفرض الابتعاد عن العدمية والتشاؤمية السائدة اليوم لدى معظم الشعوب العربية ونخبها. لكن النهوض المتجدد يشترط جملة أمور يصعب على الشعوب العربية أن تستعيد موقعها في التاريخ من دون الولوج إلى رحابها. سيركز هذا القسم على خلاصة توصيفية لما آل إليه حال الدولة الوطنية العربية، ثم يحدد شروط نهوض الدولة بأن تكون دولة مدنية، وأن يلج العالم العربي الإصلاح الديني الواجب الوجود بعد انفجار الإسلام في العقود الأخيرة وتحوله إلى عنف مسلح وتدمير للمجتمعات القائمة.

1 ــ من الدولة الوطنية الى دويلات الطوائف والمذاهب

قبل الحديث عن مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي، من المفيد النظر إلى المشهد الذي تقف أمامه هذه الدولة في المرحلة الراهنة من تطور المجتمعات العربية، فمن رحم الوضع الراهن ستولد الدولة الوطنية في مرحلتها الجدبدة. لم يعد خافياً أن الدولة التي كانت قد بدأت بالتصدع لعقود خلت، تشهد اليوم ذروة الانفجار والتفتت بل والتذرر. سبقت الإشارة إلى العوامل التي كانت تتوالى لغير مصلحة الدولة بل لإضعافها على حساب المكونات الأصلية التي أتت الدولة لتضعها تحت أجنحتها. فما نشهده في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين وحتى في مصر… هو انهيار متمادي لموقع الدولة الوطنية، وصعودًا للطائفيات والعشائريات والعصبيات الجهوية والإثنيات.. فتقدم نفسها البديل الذي يملأ الفراغ الذي يتركه تراجع الدولة وعجزها عن القيام بمهامها. ليس مبالغة القول أن الدولة الوطنية في العالم العربي تسير في مسار انحداري لا قعر مرئياً له حتى الآن. منها ما وصل إلى الذروة في الانهيار، ومنها ما ينتظر مصيره المماثل.

تعود الدولة الوطنية إلى مكوناتها الأصلية، وتغادر القشرة الحداثية التي شكل قيام الدولة أبرز عناصرها. لا يبدو أن هذا التفكك  سيسلك طريقاً سلمياً، بل إن الحروب الأهلية ذات الطابع الطائفي والمذهبي هي العنوان الغالب. هكذا تستعيد المنطقة حروباً مضى عليها خمسة عشر قرنا فتعطيها راهنية، تترجم بمزيد من سفك الدماء بين أبناء الدولة الواحدة، وتدمر ما تكون المجتمعات قد حققته من بناء، وتمزق النسيج الاجتماعي بما ينهي أي وحدة وطنية في المستقبل. إن انهيار بنى الدولة هو صعود لدويلات تستند إلى الطوائف والمذاهب، وإلى أبشع استخدام للدين في قتل البشر تحت حجة الدين الصحيح لكل طرف. هذا المشهد ليس تخيلياً بل هو المشهد الذي “يكحّل” المواطن العربي به نظره  صباح كل يوم.
هل الحروب الأهلية القائمة والمتوقعة قدر لا مفر منه في العالم العربي؟ بالطبع لا، والعالم العربي ليس فريدًا في بابه لجهة الحروب الأهلية الدينية والمذابح والفظاعات التي ترافقها، فقد عرفتها أوروبا لقرون خلت، ودفعت أثماناً غالية وصلت إلى مئات الآلاف من سكانها كضحايا. ومن رحم هذه الحروب ولدت الدولة الحديثة التي وضعت الدين جانباً وفصلته عن السياسة وأقامت على أنقاضه دولاً مدنية ذات مقومات حداثية تسمح بالتطور السلمي وبالتقدم للشعوب. لذا يرتبط أيضاً مستقبل الدولة الوطنية العربية بأن تقيم دولاً مدنية على أنقاض الحروب السائرة. في أي حال إن حجم الدمار البشري والمادي الذي تخلقه دويلات الطوائف والمذاهب، هو العنصر الحاسم في تكوين قوى اجتماعية وثقافة مدنية ترسم معالم تجاوز هذه الدويلات نحو الدولة المدنية المنشودة.

2 ــ مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي : ان تكون دولة مدنية

عندما يجري التطرق اليوم إلى مفهوم الدولة المدنية، فأول ما يتبادر الى الذهن وضعها في مواجهة مفهوم الدولة الدينية. قد يكون هذا التناقض هو الشكل الغالب، لكن مفهوم الدولة المدنية تطور واتخذ أشكاله الحديثة عبر الصراع البشري مع الأشكال التي كان المجتمع ينتجها في كل مرحلة من مراحل تطوره. في مواجهة استخدام الدين في السياسة  ونظرية الحق الإلهي في السلطة، وفي مواجهة الاستبداد واحتكار السلطة من الأباطرة والملوك، وفي مواجهة التجمعات القبلية والعشائرية والفئوية المهيمنة.. نشأت كل مفاهيم الدولة المدنية الحديثة والقوانين والتشريعات التي تحكم مؤسساتها، وهو مسار تاريخي امتد قروناً واصطبغ بصراعات مريرة وحروب أهلية دامية. اذا كانت الشعوب العربية تطمح إلى بناء دولة حديثة، فإن هذه الدولة محكومة بجملة شروط أهمها:

المواطنة

إنّ مفهوم المواطنة هو مفهوم حديث لم يكن له موقع في العصور البشرية الأولى، وتباعاً، في العصور اللاحقة. تختصر المواطنة اليوم بجملة مفاهيم وقيم أهمها المساواة بين سكان الوطن الواحد من دون تمييز حسب الدين أو العرق أو الجنس أو اللغة، والمساواة في الحقوق والواجبات والحرية والمشاركة في الحياة العامة. كما تشكل المواطنة القاعدة التي تقوم عليها الدولة الحديثة بمؤسساتها وتشريعاتها.

إذا كان مفهوم الدولة المدنية قد تبلور في العصور الحديثة، ولا يزال يتجدد مع تطورات العصر، فإنّ التناقض الرئيسي الذي يواجه هذه الدولة يبدو اليوم في استعادة مفهوم الدولة الدينية والسعي إلى إحلالها على حساب الدولة المدنية أو على حساب بعض مكوناتها. على رغم الجزم مجددًا بأنّ دولة دينية لم تقم في أي زمن من الأزمان، بل كل ما قام في التاريخ هو دولة سياسية وظفت الدين في خدمة هذه الدولة، إلاّ أنّ النقاش في شأن الدولة المدنية محكوم اليوم أن يواجه نقيضها المتمثل بالفكر الديني وليس بنموذج الدولة الدينية المزعومة.

لعل من أهم إنجازات الحداثة أنّ الاجتماع المدني والسياسي قد تأسس على قاعدة المواطنة التي لم يكن لها أن تتحقق لولا الإنجاز الأكبر المتعلق بولادة الإنسان الحر. فالمواطنية كما تبلورت في العصور الحديثة استندت إلى السيادة الفردية، وشكلت أساس التعاقد بين المواطنين الأحرار في مواجهة الهيمنة الدينية الكنسية. سيشكل مفهوم المواطنية قاعدة مركزية في ممارسة الديمقراطية وتحقيقها في المجتمع، وستقوم علاقة جدلية بين هذا المفهوم وشعور المواطن بتمتعه بجميع الحقوق والواجبات. لذا كانت هذه السيادة الفردية للإنسان الحر الأساس في قيام نظام سياسي يعترف بالتناقضات بين مكونات المجتمع وباختلاف المصالح، ولكنه يساهم في حل هذا التناقض عن طريق التسويات والإحتكام إلى القوانين على قاعدة المساواة بين البشر من دون أي تمييز.

العلمانية والفصل بين الدين والدولة

يصعب تصور قيام دولة مدنية في العصور الحديثة من دون الفصل بين الدين والدولة وتحقيق العلمانية بوصفها التجسيد الحقيقي لهذا الفصل. لا بد من القول، وخلافاً لما يذهب إليه مفكرو التيارات الدينية بأنّ العلمانية تعني محاربة الدين ونفيه من المجتمع، وأنّ الفصل بين الدين والدولة سيؤدي إلى زوال الدين، على العكس من ذلك، فالعلمانية ليست نظرية نزلت من السماء لتحل محل الدين في الحياة البشرية، بل هي نتاج مسار تاريخي، استند إلى العقلانية في الفكر والممارسة وإلى الحرية الإنسانية في تقرير المصير، وانطلاقاً من ذلك كان الفكر العلماني يتصدى للموروثات السائدة في المجتمع والتي تعيق تقدمه وتحرر الإنسان فيه. وإذا كانت العلمانية قد ارتبطت شكلاً كأنها تخاصم الدين، فلأنّ الفكر الديني يسعى إلى قولبة الفكر الإنساني في قوالب غيبية ويمنع استخدام العقل في الكثير من الأمور اللاهوتية، ويحاول هذا الفكر فرض منظومات قانونية وتشريعية تتناقض مع الحرية الإنسانية.

إذا كانت العلمانية تشكل شرطاً ضرورياً لقيام الدولة المدنية، فإنها ليست بالضرورة ملازمة للحريات السياسية والتعددية الحزبية. إن ما يجعل من العلمانية ملازمة للدولة العادلة هو اقترانها بالديمقراطية. يأتي هذا الحكم من التجربة التاريخية التي عرفتها أوروبا وبعض بلدان الشرق الأوسط.

هكذا يمكن القول إنّ العلمانية بمفهومها الحقيقي هي أحد تجليات الحداثة في مرحلتها المتقدمة، حيث يتميّز النظام العلماني بإحترام الفرد وحرية الضمير، وضمان الحرية الدينية لجميع المواطنين من دون استثناء، إضافة إلى الإعتراف بالتعددية الدينية وبحرية الإعتقاد أو عدمه بما فيها الحق بتغيير الدين. كما أنّ الدولة العلمانية هي دولة حيادية تقف فوق الجميع وتعاملهم على قدم المساواة أمام القانون، لكونهم يمتلكون الحقوق نفسها ويترتّب عليهم الواجبات ذاتها أيضاً. إنّ العلمنة وحدها هي التي تحرص على البعد الروحي الذي يحتاجه الإنسان، وهي بالتالي تضع هذا البعد في مكانه الصحيح وتمنع المتاجرة السياسية به واستغلاله لأهداف سياسية أو غير نزيهة.

ضرورة الديمقراطية

مما لا شك فيه أنّ نموذج الدولة المدنية الذي تطور على امتداد القرون الماضية يظل الهدف الذي تسعى إليه المجتمعات لكونه يحقق العدالة ويمنع التمييز بين المواطنين. لكن الوصول إلى الدولة المدنية لا يعني بالضرورة استبعاد الديكتاتورية والإستبداد، بل يظهر لنا التاريخ الحديث أنّ دولاً أوروبية وصلت إلى أعلى  درجات الحداثة والتحديث والانتقال من الدولة الفئوية إلى الدولة المدنية، لكنها عرفت أبشع أنواع الديكتاتورية، منها على سبيل المثال الدولة الألمانية زمن النازية والدولة الإيطالية زمن الفاشية، والمعسكر الشيوعي بكل دوله. أثبت التاريخ أنّ ما يجعل من الدولة المدنية دولة في خدمة الإنسان هو تسييجها بالديمقراطية : ثقافة ومؤسسات وقوى حاملة لقيمها. هذه الديمقراطية تثبت كل يوم أنّ تحققها شرط لتقدم البشرية ووضع حقوق الإنسان موضع التطبيق. تتجسد الديمقراطية في جملة مفاهيم وقيم وشروط، يمكن التوقف عند بعض مكوناتها ، وتظهر أهميتها لدى مقارنتها بما يدعو إليه الفكر الديني الساعي إلى قيام الدولة الدينية.

تشدد الديمقراطية على الإعتراف بالآخر، وقبوله كما يقدم نفسه، والمشاركة معه مع احتفاظه بحق الإختلاف والتعبير. تعني هذه النقطة استبعاداً لمنطق العزل والنفي ورفض الآخر بسبب الاختلاف في الموقف أو الجنس أو العرق. بلورت ثقافة الديمقراطية على امتداد نضال الشعوب من أجل إزالة الإستبداد، جملة قيم وأفكار ومعتقدات باتت تشكل مباديء إنسانية شاملة تسترشد بها الشعوب والقوى المناضلة ضد الديكتاتورية. أبرز هذه الأفكار التأكيد على الاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية، على المستويين القانوني والعملي، وعلى تعيين هدف الوصول إلى الحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية، في وصفها تحقق إنسانية الإنسان وتفتح له آفاق التطور والتقدم.

لعل الديمقراطية هي النظام السياسي الوحيد الذي يقر بالتعددية السياسية وقبول التنوع الحزبي وحق كل مكوّن من مكونات المجتمع بممارسة نشاطه السياسي والتعبير عن أفكاره ومطالبه من دون قيد أو شرط.

من الميزات الهامة جدًا في الديمقراطية أنها فلسفة لتسوية النزاعات. يحمل كل بلد مكونات متعددة، وبالتالي تتفاوت المصالح بين فئاته، تناقضاً وتضارباً. يعتبر تداول السلطة من أهم مقومات الديمقراطية في كل بلد.

قبل أن تتحول الديمقراطية إلى نظام في الحكم، كانت ولا تزال منهجاً في التفكير، يستند بشكل رئيسي على العقلانية في القراءة والتحليل والحكم على الأمور، وعلى رفض إطلاقبة الحقائق، بل القول بنسبيتها. اعتمد المنهج على التفكير العلمي وعلى الحس النقدي في مقاربة الفكر والممارسة، وشدد على نبذ هاجس الهوية والإنغلاق على الذات،  والدعوة إلى التفتح على الآخر، ورفض انضواء الفرد في السجن المغلق للعصبيات، وهي بذلك ساهمت في تحرير الفرد من أسر الإنتماء الإجتماعي ووضعته في رحاب الدولة والمجتمع الأكبر.

لا تستقيم الدولة الدينية التي يدعو إليها الفكر الديني، بتياراته ومذاهبه وطوائفه المتعددة، مع هذه المقومات التي تقول بها الديمقراطية، طريقاً للحكم وحقوقاً للإنسان. مما يضع الدولة الديمقراطية على النقيض مع الدولة الدينية. لعل ما يشهده العالم العربي من حراك اليوم يؤكد هذا اللاتلاقي بين مباديء وقيم إنسانية ومساواة في الحقوق والواجبات، حيث يجد نقيضه في الدعوات الصادرة عن التيارات الدينية التي تؤكد على التمييز بين البشر استنادًا إلى دينهم ورفض كل منطق المساواة بين المواطنين من دون أي تمييز.

مصدر السلطات

من أين تستمد السلطة شرعيتها، ومن هي القوة التي تعتبر مصدر السيادة في النظام السياسي؟ الإجابة عن هذا السؤال تشكل مفتاحاً مركزياً في القواعد التي تقوم عليها الدولة الدينية، وجوهر ماهيتها. السؤال لا يزال مطروحاً بقوة اليوم خصوصاً في المجتمعات العربية والإسلامية، ويستعر السجال حوله، ولم يبق محصورًا في النقاش الفقهي، بل يأخذ الجواب عنه منحى عنفياً. في المجتمعات الديمقراطية، حسم النقاش عن مصدر السلطات والأساس الذي تقوم عليه السيادة، باعتبار أنّ الشعب هو المصدر الذي تأخذ السلطة السياسية مشروعيتها منه.

وإذا كانت مقولة الشعب مصدر السلطة شبه بديهية في الفقه الدستوري اليوم، إلاّ أنّ ثمناً غالياً دفعته الشعوب في العالم الغربي قبل أن تصل إليه، وهو ثمن جرت أنهار من الدماء قبل أن يتجسد في الدساتير ويصبح واحدًا من المحرمات التي يمتنع المس بها.

في المجتمعات العربية والإسلامية، ومنذ العهود الأولى للإسلام، ترسخت سريعاً مقولة أنّ الله مصدر السلطات التي يفوضها للحاكم، وأنّ طاعة الحاكم من طاعة الله، وهو ما شهدناه في الصراع الذي نشب بين القبائل العربية  في نزاعها على السلطة بعد وفاة الرسول، ووجد ترجمته في القواعد التي كرسها النظام الأموي، في جعل السلطة وراثية، وفي اعتبار أنّ الحاكم يستمد سلطته من الله.

 الفصل بين السلطات

شكلت نظرية الفصل بين السلطات أحد نتائج الصراع السياسي في المجتمعات الأوروبية، وأحد أبرز ما توصل اليه الفكر السياسي في عصر الأنوار. تقول النظرية بالفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث تكون لكل سلطة صلاحياتها المستقلة ومجالها المحدد في تولي المسؤوليات..

لم تسقط النظرية فجأة على الفكر السياسي الأوروبي، بل أتت في سياق الصراع ضد الإستبداد والديكتاتورية التي كانت سائدة في أوروبا على يد الملوك والأباطرة من جهة، وعلى يد الكنيسة ممثلة بالبابوات من جهة ثانية. باتت النظرية عنصرًا جوهرياً في نضال الشعوب نحو إقامة الدولة الديمقراطية. كما باتت عنصرًا مقررًا في إقامة الدولة الحديثة على جثة الدويلات الإقطاعية. شكلت قضية الحرية الشخصية والعامة مفصلا أساسياً في نظرية الفصل بين السلطات، وكانت قضية فصل القضاء واستقلاليته مسألة رئيسية لضمان حرية الفرد ومنع التسلط عليها من أجهزة السلطة التنفيذية.

في المجتمعات العربية والإسلامية، كان جمع السلطات في يد الحاكم القانون المطلق في كل العصور منذ العهود الإسلامية الأولى وصولاً إلى العهود العثمانية قبل انهيار أمبراطوريتها. ظل مفهوم الفصل بين السلطات غريبا عن الفكر السياسي الإسلامي والعربي، يعززه الفكر الديني الذي كان يرى في هذا الفصل هرطقة وكفرًا. لم ينتج هذا الفكر ما يشير إلى ضرورة الفصل بين السلطات على امتداد تاريخ “الإستبداد الشرقي”، بل بدأ يلامس العالم العربي في مراحل لاحقة من تطوره بعد نيل الاستقلالات، ليس في الممارسة، بمقدار ما ترد نظرياً في الدساتير الموضوعة، والتي كان قسم كبير منها مستوحى من الدساتير الأوروبية. لذا ظل احتكار السلطة سائدًا في الدول العربية وإن يكن هذه المرة بأشكال مختلفة عن المرحلة العثمانية أو العباسية..

وضعية المرأة

تشكل الوضعية الاجتماعية والمدنية للمرأة ومساواتها بالرجل ومنع التمييز بينهما واحدًا من القضايا الأساسية التي لا يستقيم وجود الدولة المدنية من دون تحققها. عرفت كل المجتمعات البشرية تمييزًا فاضحا بين الرجل والمرأة، وهو أمر يعود لثقافات وتقاليد وفكر ديني، وهيمنة مجتمع الذكور، مما أوجد وضعية تتسم بالدونية للمرأة. جميع المجتمعات خاضت ولا تزال معركة إلغاء التمييز، فالمجتمعات العربية تعاني من التمييز، وتشهد نضالات متفاوتة بين بلد وآخر للخروج من الحالة المهينة للمرأة في وصفها إنسان، في أكثر من بلد عربي. والمجتمعات الأوروبية، ترافق فيها النضال السياسي  لتكريس حقوق المواطنة والمساواة بين الرجل والمرأة، في معارك أنجزت فيها المرأة الأساس في نيل حقوقها، على رغم أنّ بعضاً من التمييز ما يزال يطل برأسه، ويتصل بدرجة تطور المجتمع هنا وهناك. في كل الأحوال، فإنّ تحقيق المساواة بين المرأة والرجل وإلغاء التمييز بينهما يقع في صميم مكونات الدولة المدنية.

شرعة حقوق الإنسان

تشكل المباديء التي يتضمنها “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” خلاصة القواعد الفلسفية والسياسية التي تقوم عليها الدولة المدنية. على رغم أنّ الإعلان أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول /ديسمبر 1948، إلاّ انه في حقيقته أتى تتويجاً لنضال طويل خاضته المجتمعات الأوروبية في صراعها المديد ضد الإستبداد الديني والسياسي الذي مارسته الكنيسة والسلطات السياسية القائمة. هو عصارة الفلسفة السياسية والإنسانية التي أنتجها فكر الأنوار وجسدتها الحداثة في القرون اللاحقة.

لم يلق الإعلان قبولاً، في البداية، من الكنيسة المسيحية ومن المؤسسات الدينية الإسلامية على السواء. احتاج الأمر طويلاً لكي تعترف الكنيسة بالإعلان، ولو كان نظرياً، فيما بقي رفضه قائما بالنسبة للمؤسسة الدينية الإسلامية بالنظر إلى القضية المركزية التي ينطلق منها الإعلان حول مفهوم الشخص البشري ومعه مفهوم المواطنة التي تقول بالمساواة بين المواطنين بصرف النظر عن جنسهم أو دينهم (غزال، خالد، من الدين الى الطائفة، في ضرورة الدولة المدنية، دار الساقي، بيروت، 2015، ص299 ..).

3 ــ ضرورة الاصلاح الديني

إن الصورة المقدمة اليوم عن الإسلام على لسان الحركات الأصولية تجعل من الضروري التصدي لهذا الفهم للإسلام، وتبيّن ما هو حقيقي وجوهري في هذا الدين، ووجوب تجاوز ما هو غير جوهري أو نزل في ظروف تاريخية لم يعد لها من مكان اليوم في مجتمعاتنا. تبدو عملية الإصلاح الديني الجذري أكثر من ضرورية خدمة لهذا الدين وللمؤمنين برسالته ومبادئه. إن الظروف والأحداث الجارية لا تدعو أي مجال للشك في وجوب الولوج إلى هذا العالم من الإصلاح.

من البديهي القول أن الإصلاح الديني لن يطال العقيدة بمبادئها الأساسية المتعلقة بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، فهذه من الثوابت، ليس في الإسلام وحده، إنما في سائر الأديان التوحيدية. الإصلاح الديني يتناول الشريعة وترجمتها في الفقه، فأحكام الشريعة تخترق اليوم كل ميادين الحياة، وتتدخل في السلوك البشري في أدق تفاصيله، وتتحكم بالعادات والتقاليد والثقافة.. لا يعني الإصلاح شطب والغاء هذه الشريعة واقتصار الدين على القيم والمباديء الإنسانية والروحية التي تبقى الجوهري في الدين. ولأن الشريعة تتدخل في كل مناحي المجتمعات العربية والإسلامية، كان لا بد من التوقف أمام أحكامها وفق عدة مقاييس.

المقياس الأول، يتعلق بكيفية جعل الشريعة متوافقة مع العصر الذي نعيش فيه، ومدى ملاءمتها للتطورات التي وصلت إليها البشرية وتتحكم اليوم في مجتمعاتنا. إن شريعة تتوافق أحكامها مع حاجات المسلم المعاصر تجعل الالتزام بها أمرًا ميسورًا، بما يسهل حياة  الناس وأعمالهم ولا يجعل المسلم يعيش في عصور غابرة، ويحتكم إلى شرائع تعود لتلك العصور.

المقياس الثاني يقوم على مدى توافق أحكام الشريعة مع مباديء حقوق الإنسان، وهي نقطة مفصلية اليوم في ملاءمة أية تشريعات لحاجات المجتمعات. إن حقوق الإنسان اليوم المتجسدة في مواثيق وقوانين قائمة على المساواة بين البشر بصرف النظر عن الدين والجنس والعرق، والاعتراف بالتعددية الدينية وبحق الإنسان في أن يؤمن أو لايؤمن، وفي حرية الرأي والاختيار، وفي الحقوق الكاملة للمرأة ومساواتها بالرجل.. وغيرها من المباديء التي باتت مسلمات ومقياس التقدم في هذا العصر لأي مجتمع من المجتمعات.

المقياس الثالث يتناول القراءة العقلانية للنصوص والأحكام التشريعية بمختلف مستوياتها. إن تحكيم العقل وجعله مقياساً أساسياً للحكم على هذا المبدأ أو ذاك، يطال قراءة النصوص الدينية، من القرآن والحديث وما توارثه الفقه في هذا المجال. واعتماد العقل واحدًا من المقاييس يساعد في تحرير النصوص الدينية من الأساطير والخرافات والقراءات واجتهادات رجال الدين غير المستندة إلى منطق في رؤية الأمور، وهي المعبرة عن نفسها اليوم في فتاوى عشوائية بعضها مهين ومنفر إذا لم نقل مقززًا، يطلقها رجال دين حول هذه القضية الدنيوية أو تلك..

أما المقياس الرابع، وهو مقياس المقاييس في الإصلاح الديني، فهو المتصل باعتماد القراءة التاريخية للنصوص الدينية والتشريعات أو الفقه الذي نجم عنها. إذا ميزنا بين الثابت والمتغير في الدين، فإن الثابت ما يتصل بجوهره من قيم ومباديء وعقائد، فيما المتغير هو تلك الأحكام التي باتت تعرف بالشريعة، وبنى الفقه الإسلامي نصوصه عليها. هذه الأحكام والشرائع، سواء ما ورد منها في النص المقدس أي القرآن أو الأحاديث النبوية أو أقوال الصحابة والفقهاء لأي مذهب انتموا، هذه كلها مشروطة بتاريخية صدورها. أتت هذه الأحكام والتشريعات استجابة لحاجات المسلمين في ديارهم الأولى أو في الديار التي وصلوا إليها عبر الفتوحات، ما يتعلق منها بشؤون الحياة اليومية أو بالأمور الحربية. اسوأ ما تعرفه المجتمعات العربية والإسلامية اليوم، استعادة تلك الأحكام والتشريعات وإسقاطها على العصر الراهن، من دون الأخذ في الاعتبار مكان صدورها وزمانه وأي احتياجات أجابت عنها. كما أن تلك الأحكام والفقه الناتج عنها محكوم بدرجة تطور تلك المجتمعات والحدود المعرفية للفقهاء والعلماء في تلك العصور، فيما شهدت العصور الحديثة  قفزة في العلوم الاجتماعية والإنسانية والمناهج البحثية ما يجعل النظر إلى هذه النصوص مختلفاً عن نظرة فقهاء العصور الغابرة. تطرح هذه النقطة كل قضية الفقه الإسلامي ووجوب تجديده بما يتناسب مع العصر وحاجات المسلمين فيه، والتمييز فيه بين ما هو متجاوز للزمان والمكان، وبين ما هو متصل بعصره. ليس مقبولاً اليوم استعادة ما قال به هذا الفقيه قبل ألف عام أو أكثر في قضية من القضايا وإعطاء فتوى في شانها كأن الزمن ما يزال متوقفاً هناك، وهو مما نراه شائعاً لدى المؤسسات الدينية ورجالها. فكل شيء في الحياة هو تاريخي، حتى مفهوم الله يخضع للتاريخية، فقد تغير المفهوم منذ أن وجد البشر، وتعددت التعريفات والتوصيفات له قبل أن يصل إلى الصيغة الراهنة من خلال الأديان التوحيدية.

اذا كانت الدعوة اليوم ملحاحة للولوج إلى إصلاح ديني يعيد للإسلام جوهره الحقيقي ويمنع عنه تهمة الإرهاب الموسوم بها اليوم، شاء أم أبى، بالنظر إلى الأعمال المرتكبة باسمه، فلا يعني ذلك أن الإسلام لم يعرف ارهاصات إصلاحية، تفاوتت إلى هذا الحد أو ذاك بين عصر وآخر. منذ العصور الإسلامية الأولى وعلى امتداد التاريخ الإسلامي كان هناك من قام بمحاولات لقراءة النصوص الدينية والتشريعات قراءة يمكن إدراجها في سياق محاولات إصلاحية. صحيح أن الإسلام لم يشهد حركة إصلاحية متماسكة وشاملة على غرار الإصلاح الديني في المسيحية الذي قاده مارتن لوثر في القرن السادس عشر، لكن الإسلام شهد محاولات إصلاحية جريئة منذ عصوره الأولى. يسجل في هذا المجال ما قالت به المعتزلة حول استخدام العقل في قراءة النصوص، وما قال به آخرون من المفكرين والفلاسفة المسلمين. حتى الفرق والمذاهب الإسلامية نجد فيها طروحات إصلاحية تقرأ وتناقش وفق منطق عصرها، والدارس لتاريخ المذاهب الإسلامية والفرق الناشئة عنها والتراث الفكري الذي قدمته سيلمس خروجاً عن التقليد السائد أو القراءة الحرفية قام به مفكرو هذه الفرق. سنجد في تراث الأوائل، بعد المعتزلة، أن فلاسفة مثل الكندي والفاراي وابن سينا وأبوبكر الرازي وإخوان الصفاء وابن باجه وابن رشد وابن خلدون.. وغيرهم كثيرون، كانت لهم اجتهادات في قراءة النصوص الدينية، هي إصلاحية بمقياس زمنهم. وفي العصور الحديثة، نلمس المحاولات الإصلاحية الجريئة لدى رجال دين في عصر النهضة في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، أمثال محمد عبده وجمال الدين الافغاني ورفاعة الطهطاوي وعلي عبد الرازق وطه حسين وغيرهم.. كما أن حركة التجديد في الفكر الإسلامي توسعت في القرن العشرين على يد رجال دين ومفكرين من أمثال عبد الله العلايلي وخالد محمد خالد ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وعبد المجيد الشرفي ويوسف الصديق ومحمد أحمد خلف الله.. ومحمد إقبال وعبد الكريم سروش .. وغيرهم في المشرق العربي ومغربه وفي بلدان شبه القارة الهندية.

خاتمة وخلاصة : مستقبل الدولة الوطنية على علاقة وثيقة بتجدد المشروع النهضوي

عندما اندلع الحراك العربي انطلاقاً من تونس أواخر العام 2010، استبشرت الشعوب العربية أملاً  في هذا القادم من التغييرات عليها. تعزز هذا الأمل بالخلاص من الأحوال السائدة مع امتداد الحراك إلى أقطار عربية أخرى، خصوصاً منها مصر، وعبّر عنه هذا النزول الشعبي إلى الشارع واستعادة الجماهير لحقها في التعبير السياسي، خصوصاً مع الشعار الجامع والموحد : الشعب يريد إسقاط النظام، يريد التغيير، يريد الحرية .. وغيرها من الشعارات التي بدت لهذه الشعوب أنها قد انقرضت، بعد سيادة ذلك السبات العميق من تسلط أنظمة القمع والإستبداد، وإلغائها للشعوب وحقها في التعبير. ساد شعور امتزج فيه التأييد الكاسح لهذا الحراك، بإسقاط أحلام التغيير الثوري والتحول  نحو تحقيق الديمقراطية على هذا الحراك. لم تطل الأحلام الرومانسية طويلا، فقد كشف هذا الحراك، بما أخرجه من قوى، وفي المسار الذي سلكه ، عن طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها المجتمعات العربية، وهي  تخرج من جوفها كل ما تحمله من تناقضات وموبقات،  تراكمت على امتداد عقود في ظل هيمنة القهر والظلم المقرون بالعجز عن الدخول في عالم الحداثة.

على رغم الطريق  الذي سلكته  الانتفاضات  العربية، والذي يبدو اليوم مخيباً للطموحات التي تركبت على الإنفجار الشعبي الذي قام في أكثر من قطر، وعلى رغم “ورقة النعي” التي قال بها كثيرون على ما بات يطلقون عليه “شتاء عربياً” بعد أن أغرقوا الانتفاضات بتعابير “الثورات” والربيع العربي وغيرها من الأوصاف التضخيمية والفخمة، إلا أنّ هذا الحراك ما يزال يسجل حقيقتين أساسيتين، الأولى تؤكد استحالة عودة الشعوب العربية إلى الخضوع لأنظمة استبداد وقمع على شاكلة ما حصل في العقود السابقة. فالانفجار الشعبي الذي حصل، بصرف النظر عن المسار الذي اتخذه، يؤسس اليوم لمرحلة جديدة في العالم العربي، للشعوب فيها موقع ورأي. لن يقتصر هذا الانفجار على الأقطار التي حصل فيها حتى الآن، بل تبدو كل الأقطار العربية سائرة على الطريق نفسه، بصرف النظر عن الوجهة التي سيسلكها كل قطر في هذا الطريق شيه الحتمي. أما الحقيقة الثانية، فتؤشر إلى أنّ هذا الحراك الذي انطلق تحت راية شعارات الديمقراطية، كشف أزمة التغيير الديمقراطي في هذه المجتمعات من خلال انتصاب الحواجز والعقبات أمام هذا المسار، بحيث بدا الخيار الديمقراطي محكوماً بممرات من الفوضى والحروب الأهلية والمزيد من الفوضى، قبل أن تتكوّن قواه وتصبح قادرة على الهيمنة.

وإذا كانت المجتمعات العربية بقيت أسيرة أنقسامات طوائفية في أديانها التوحيدية، خصوصاً الإسلامي منها، وعلى رغم النتائج السلبية لهذا التحول للدين إلى طوائف، على صعيد المنتسبين لهذا الدين أو ذاك، وكذلك على مسار التطور والتقدم لهذه المجتمعات، إلاّ أنّ المشهد المتصدّر اليوم واجهة حراك المجتمعات العربية هو تذرّر الطوائف نفسها إلى مذاهب، سمتها الرئيسة في الطرح والممارسة، استخدام لغة التخوين والتكفير تجاه بعضها البعض، وترجمة هذه اللغة في صراعات عنفية، تشهد تقدماً وصعودًا كل يوم وفي أكثر من مكان. لقد ارتدت المجتمعات العربية قروناً إلى الخلف، وهي تبدو اليوم وكأنها حقاً خرجت من ذلك التاريخ النسبي الذي دخلته أصلاً لعقود أو قرون خلت. وهو مشهد لا يبعث على الإبتهاج مطلقاً، بل هو قابل لتوليد شتى أنواع التشاؤم من الراهن والمستقبل.

                وسط هذه الصورة القاتمة، يظل السؤال مطروحاً وبقوة : هل من أمل بالوصول إلى دولة مدنية في العالم العربي؟ وهل تقدم التحولات الجارية بكل صخبها وفوضاها وما تعكسه من خيارات ديمقراطية وإصلاحية صعبة، أملا في انبلاج حركة إصلاح جذرية، وانفتاح أفق الخيار المدني؟ وهل من خيار آخر يمكن للشعوب العربية ان تلجه غير مسار الوصول إلى دول مدنية في كل قطر؟ أسئلة تبدو في معظمها من دون أجوبة حاسمة. فعلى رغم كل ما أشير إليه، فإن  حاجة المجتمعات العربية إلى تجديد مشروعها النهضوي، والذي تختصر الدولة المدنية الأساسي منه، هي حاجة موضوعية وواجبة الوجود.  لقد انتكس هذا المشروع منذ النصف الثاني من القرن العشرين تحت وطأة الهزائم التي منيت بها الأنظمة العربية على مختلف الصعد العسكرية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية، وما تعاني منه المجتمعات العربية، إلى حد بعيد، هو من نتائج هذه الهزيمة الشاملة. صحيح أنّ مشروع التحديث العربي لم يحقق أكثر من قشرة حداثية، لكنه كان يحاول السباحة وسط تراث وركام من المعوقات على مختلف الصعد الفكرية والسياسية والأيديولوجية..، والأصعب كان في مواجهة مع أنظمة استبدادية تضع حدًا لحرية الفكر والتعبير. إذا كانت أوروبا ومعها الغرب إجمالاً، احتاجت إلى قرون لتنجز مشروعها الحداثوي، وتتوصل إلى الهيمنة على العالم عبر ثورتها التكنولوجية والفكرية، فليس بالضرورة أن ينتظر العالم العربي هذه المدة الزمنية ليمكنه تجديد مشروعه النهضوي. ما تقدمه العولمة على صعيد اختصار المكان والزمان، وحجم التطور العلمي الذي لم يعد حكرًا على مجتمعات معينة، وما تقدمه ثورة الاتصالات من قدرة على الوصول إلى المعرفة ومعها سهولة التواصل الاجتماعي.. كلها أمور تساهم في إمكان الإحتكاك السريع بالثورة العلمية وبالفكر السياسي الآخر، بما يسمح بإحداث نقلة في الوعي العربي، وينقله من عالم التخلف والغيبيات إلى عالم العقل والعلم. ما يشجع على هذا التفاؤل حجم المتغيرات التي بدأت المجتمعات العربية تدخلها لجهة انتزاع الحقوق في حرية الرأي والتعبير ونشر الفكر العلمي والحد من القيود على العقل والأفكار.

          إن مفاصل المشروع النهضوي المرتجى والأسس التي يجب أن يقوم عليها، هو قضية الديمقراطية التي تفترض تعزيز مفهوم المواطنة الذي هو شرط المساواة الحقيقية في الديمقراطية. فهي لا تقوم في فراغ بل تستدعي تعزيز دولة القانون والمؤسسات ونظام المساءلة ودفع عملية التنمية الشاملة المترابطة الجوانب من سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وإيلاء أهمية قصوى للإنماء المتوازن قطاعياً ومناطقياً في عالم عربي تنتمي دوله إلى العالم النامي، ولو أنها تعيش في مراحل مختلفة من النمو. تعزيز الديمقراطية يفترض أيضاً إيلاء أولوية لمعالجة ما نسميه بصدام الديموغرافيا والتنمية الفاشلة. صدام كان من المسببات الأساسية لانطلاق الثورات العربية: ديموغرافيا شبابية تريد حياة كريمة وتريد توفير فرص للعمل. لقد آن الأوان لمغادرة تلك النظرية التي تربط التنمية البشرية بالدولة الاستبدادية على غرار ما ساد لزمن في الغرب، فالتنمية الناجحة هي تلك التي تعتمد على تطوير الإنسان وإطلاق حريته والسماح له في المشاركة في القرارات السياسية والاقتصادية، بما يمكنه من المساهمة حقاً في بناء هذه التنمية. من هنا يبدو مثلث الديمقراطية – التنمية الشاملة – الدولة المدنية، مثلثًا مترابط الأحكام، وشرطاً ضرورياً لقيام مشروع نهضوي متجدد في العالم العربي وانتساب مجتمعاتنا إلى عالم الحداثة.

لكن مسار تجديد المشروع النهضوي يظل مرهوناً، أولاً وأساساً، بنمو القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.. الحاملة لهذا المشروع، والقادرة على فرضه والسير به عبر الخيارات الديمقراطية. من دون توفر هذه القوى، سيظل الأمل بالتجديد سراباً. وهنا يكمن التحدي الأكبر في مسار المجتمعات العربية كلها من دون استثناء.

إنه طريق مزروع بالأشواك والصعوبات، لكن هل تملك الشعوب العربية وقواها النهضوية خيارًا غير خيار الإبحار في هذا الخضم، والسعي إلى التغلب على الصعوبات والمعوّقات، من أجل أن تخرج من قمقم التخلف والاستبداد والتعصب الديني والكراهية، وصولاً إلى مجتمع العدالة وحقوق الإنسان؟ من رحم هذا الخضم وفي رحابه يمكن للدولة الوطنية العربية أن تجد موقعها داخله وأن تشكل أمل وأحلام الملايين من أبناء الشعوب العربية.