الورقة التعقيبيه للأستاذ وليد نويهض على ورقة د. عصام السعدي

مداخلة

□ ليس عندي ملاحظات على مداخلة الدكتور عصام السعدي. فأنا أتّفق معه على أنّ الطائفيّة السياسيّة ظاهرة حديثة، وأنّ الطائفية تختلف عن المذهبيّة، وأن الطائفيّة تحتاج إلى متجسّد سياسي يعبّر عن طموحات الطائفة ويتحزب لأغراض دنيويّة.

ما أريد قوله ليس ملاحظات على الورقة وإنما إضافات وتوضيحات فكرية وتاريخية.

ماذا تعني الطائفية لغويًّا؟ الكلمة مفردة مشتقّة من طاف يطوف طائفة. فاللفظ يحمل معنى تحرك الجزء من الكل من دون أن ينفصل عنه. الجزء يطوف في دائرة الكل وينتمي إليه مهنيًّا أو جهويًّا أو دينيًّا أو مناطقيًّا أو اجتماعيًّا.

الطائفة إذن هي مزيج مركّب من شبكة علاقات أفقيّة وهرميّة، يتداخل فيها الديني بالعرقي باللوني بالجهوي في جبهة عريضة تعطي هوية محددة لفئة معيّنة تعيش في مكان جغرافي واضح المعالم أو تنتشر في أمكنة موزّعة على أراضٍ تخترق حدود الوطن الواحد أو اللغة الواحدة أو الثقافة الواحدة.

الطائفة قد تكون أقليّة أو أكثريّة في المجتمع الواحد، وأحيانًا تكون ممتدّة جغرافيًّا وعابرة للحدود فتصبح أكثريّة في مكان وأقليّة في مكان. بهذا المعنى الطائفيّة ليست مذهبًا بعينه، فهي سياسيّة – اجتماعيّة وتختلف عن المذهبيّة في اعتبار أنّ المذهب هو موضوع له صلة بالفقه (القانون الخاص بعقيدة دينيّة).

يميّز الجرجاني في كتاب “التعريفات” بين الدين والملّة والمذهب. الدين والملّة متّحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار. وإن الشريعة من حيث إنها تطاع تسمّى دينًا، ومن حيث إنها تجمع تسمّى ملّة، ومن حيث إنها محط الرجوع إليها تسمّى مذهبًا. والفارق بين الدين والملّة والمذهب هو أنَّ الدين منسوب إلى الله تعالى، والملّة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد. (141 – 142).

المذهبيّة زمنيًّا أقدم من الطائفيّة، وهي تتّصل مباشرة بالاجتهاد الديني والتفسيرات والشروحات التي اختلف عليها الأئمة والفقهاء في قراءة النص المُنزل. فالمذهبيّة مسألة قانونية تأسست على التأويل واستخرجت من النص القرآني اجتهادات استنباطيّة أو استقرائيّة فقهية، تعتمد على منهج القياس لاستخلاص منظومة مفاهيم قضائيّة تستخدم في المحاكم الشرعية لحسم الخلافات التي تنشأ بين أصحاب المذهب الواحد.

الطائفيّة على عكس المذهبيّة، فهي أقرب إلى الكتلة البشرية المجتمعة سياسيًّا على مصالح مشتركة قد تتعدّل وتتغيّر بحسب الظروف الزمنيّة. لذلك تعتبر اجتماعيًّا هيئة عامة ترتكز على عصبيّات عائليّة وعشائريّة وقِبليّة يوحّدها جهاز عفوي وغير منظّم مؤسساتيًّا. إنها قوة لزجة، ولكنها في لحظات التوتر تمتلك قدرة على التعبئة والاستنفار ما يسمح لها بأن تتوحد نسبيًّا لمواجهة خصم طائفي أو للدفاع عن حقوق ومصالح الطائفة.

في الإسلام هناك مذاهب قديمة الجذور بدأت تتشكل منذ القرن الثاني إلى القرن الرابع الهجري، وهي موزّعة الآن على ثماني مدارس فقهية سنيّة وشيعيّة (حنَفي، مالكي، شافعي، حنبلي، جعفري “إثني عشري”، اسماعيلي، زيدي، وأباضي) وهي في مجموعها لها وظائف قضائية تلبّي حاجات الناس (المصالح المرسلة) في الزواج والطلاق والميراث والسلوك الديني أو الحياة الاجتماعية.

بينما الطائفيّة مسألة حديثة تشكلت في لحظات زمنيّة معاصرة حين بدأت السلطنة العثمانية بالانكماش الجغرافي السياسي، وأخذت مظلّتها الإدارية بالانحسار عن مناطق في شرق أوروبا ومصر والمشرق العربي.

ساهم تراجع النفوذ العثماني (قوة الشد والجذب) في إعادة تشكيل نظام الملل والنحل والفرق وتحوّله من مسألة قانونيّة – إداريّة إلى منظومة علاقات بشريّة (أكثريّة وأقليات). وترافق الأمر مع دخول المنطقة فترات مضطربة شهدت خلالها ضياع الهويّة الواحدة والموحّدة في ظل انكسار موازين القوى لمصلحة الغرب (الأوروبي) في مواجهة الإسلام. وساهم الضعف البنيوي العام في إعادة إنتاج العصبيات الضيّقة، وأفرز هويات صغيرة تشكل ما يشبه الحصانة الذاتيّة وتعتمد على آليات عفوية تشد العصب إلى كتلة مركزية.

كانت الطائفيّة إحدى البدائل في مرحلة ضياع الهويّة الدينيّة أو القوميّة. وبوصفها تشكيل اجتماعي هلامي وغير طبقي تتداخل فيه الفئات في كتلة بشريّة متنوعة المهن والحِرَف يجتمع في إطاره المموّه المتديّن وغير المؤمن والمتعلم والأميّ في بوتقة ثقافية وهميّة متعددة في نمط سلوكها اليومي.

وبسبب مرونة الطائفيّة كانت ملتصقة إيديولوجيًّا بالواقع المفكك والمتشرذم والمبعثر على هويات ضيّقة متنافرة، ومتنافسة على الكسب المباشر… وبهذا المعنى كانت تعبّر عن الانقسامات أكثر من غيرها من هيئات وتنظيمات. ولأنّ الطائفيّة هي الأقرب إلى نتوءات الواقع كانت الأكثر قدرة على شدّ الكل إلى الجزء وجعله يدور في فلك يتمدد ويتقلّص كالمطاط من دون حدود واضحة المعالم.

كيف تشكّلت الطائفيّة السياسيّة؟

كانت الطائفيّة في بنيتها الثقافية سابقة على الطائفيّة السياسيّة، فهي الأساس الذي قامت عليه المشاريع الضيّقة وصراع المصالح المحليّة. فالطائفة في جانبها الثقافي المموّه شكّلت قوة دفع إيديولوجية قادت الجماعة المحددة إلى تكوين وجهات نظر سياسيّة التبس فيها الواقعي بالوهمي وتحولت مع الوقت إلى رافعة عصبيّة ترسم حدود هويّة غامضة تتحرك ضمن قنوات طبيعيّة وعفويّة تتحكم بها آليات تمزج الوعي باللاوعي والشعور باللاشعور والموروث بالمستجد والصحيح بالكاذب لتصبح في النهاية منظومة هلامية مركّبة تخضع لزعامات محليّة تقرّر بالنيابة عن الجماعة المفترضة مصالح الطائفة وحقوقها.

هذا النوع من الطائفيّة السياسيّة غير موجود في كل الأزمنة والأمكنة. ولكن الطوائف الثقافيّة (المهنية والحرفيّة) عمومًا موجودة في مختلف العصور والشعوب شرقًا وغربًا وهي إلى الآن موزعة في مناطق مختلفة في أوروبا وأميركا وأفريقيا وآسيا.

تنوّع الطوائف يعود إلى اختلاف ظهورها الزمني. أوروبا مثلًا انشقّت مذهبيًّا قبل ألفي سنة بين كنيسة شرقيّة وغربيّة. وأدى الانشقاق الجغرافي – القاري إلى انشقاقات كنسيّة عقائديّة توزعت أفقيًّا بين أتباع الدين الواحد (أرثوذكسي وكاثوليكي). بعدها انشقّت أوروبا الغربية مذهبيًّا داخل الكنيسة الواحدة في القرن السادس عشر واختلفت المدارس وانقسمت جغرافيًّا وسياسيًّا وتصارعت عقائديًّا في إطار قارّي توزع عموديًّا بين جنوب أوروبا وشمالها (كاثوليك وبروتستانت).

الانقسام المسيحي الأول كان جهويًّا – حضاريًّا بين شرق أوروبا وغربها. والانقسام المسيحي الثاني كان جهويًّا – اجتماعيًّا تركّز في غرب القارة بين شمال وجنوب. وكان الانقسام في الحالَين على المصالح ومناطق النفوذ، إلّا أنَّ الانشطار الثاني جاء في لحظة الاكتشافات الجغرافيّة والتمدد الأوروبي وراء الأطلسي ونشوء الدولة – المدينة وأمراء المقاطعات والولايات والجمهوريّات المحليّة ما مهّد الطريق لاحقًا إلى بدء صعود الدولة القوميّة على حساب سلطة الكنيسة الكاثوليكيّة ومركز البابويّة في رومة.

تصادف الانقسام الكنسي الأوروبي الغربي في فترة صعود الدولة القوميّة التي كان لها مصلحة في الانشقاق عن البابويّة والإقدام في الآن على توحيد دويلات المدن والمقاطعات والولايات والكانتونات الجمهوريّة في إطار جغرافي سياسي واحد تحكمه سلطة دستوريّة تشد الأطراف إلى المركز (الجزء إلى الكل).

كذلك جاء انفصال الدولة القوميّة عن مظلّة الكنيسة في فترة شهدت القارة لحظة نمو اقتصادي – اجتماعي ونهوض علمي – تقني إلى جانب حروب أهليّة (دينيّة ومذهبيّة) امتدت على عقود وكان لا بد لها أن تنتهي في إطار مصالحات ومعاهدات أسست لاحقًا حالة من الاستقرار السياسي الذي تمَّ استثماره في تعزيز نمو دولة مدنية تقوم على القانون التعاقدي ومبدأ التسامح والقبول بالآخر في المجتمع الواحد.

بينما الطائفيّة السياسيّة في المشرق العربي فقد جاءت في سياق تاريخي مخالف. فهي انسلخت عن نظام المِلَل والنِحل (الجزء من الكل) وتشكّلت في إطار هويّاتي – عصبي ترافق مع بدء تصدع السلطنة العثمانية.

كان الانهيار السياسي العام أشبه بقانون التداعي من حيث انفراط عقدة المركز وتشظي الأطراف إلى وحدات صغرى تبحث عن راعٍ بديل يضمن حقوقها ويصون مصالحها ويقدّم لها الخدمات الضروريّة من دفاعيّة وأمنيّة وصحيّة.

جاءت المذهبيّة – العقائديّة في أوروبا في لحظة صعود القارة في القرون الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر، فأخذ الجزء يطوف في دائرة الكل. بينما ظهرت الطائفيّة – السياسيّة في المشرق العربي على حساب المذهبيّة – القانونيّة بعد انفراط عقد المِلَل والنِحل وانهيار السلطة المركزيّة وتشرذم الكل إلى أجزاء في القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين.

لذلك كانت النتائج مختلفة. في أوروبا تشكلت الطائفيّة في إطارات اجتماعيّة ملحقة بالمذهبيّة، وتحولت المذهبية في لحظات الصعود القومي إلى قوة سياسيّة حيويّة نجحت في جذب الأجزاء إلى المركز. بينما في المرحلة العثمانيّة وما رافقها من صراعات ضد الغرب على تخوم أوروبا الشرقيّة وشواطئ الثغور البحرية في الخليج والبحر الأحمر (عدن وباب المندب) والمتوسط (السويس وجبل طارق) ظهرت تصدعات ما قبل الدولة فانتعشت الطائفيّة في لحظة هبوط تاريخي، وانكشف الواقع ميدانيًّا بعد انهيار السلطنة وضياع الهويّة وانعدام البدائل ما عزّز الانقسام وأثار الحساسيّات والعصبيّات الضيّقة. انكشاف مظلّة السلطنة أظهر نتوءات المجتمع وتضاريسه الأهليّة في فترة ما قبل نشوء “الدولة القوميّة”… وهي دولة لم تنهض تاريخيًّا حتى الآن.

ما نشهده اليوم من ارتداد ونكوص عن الدويلات الوطنية هو امتداد لتلك الصراعات الموقوفة منذ فترات المواجهات العثمانيّة – الصفويّة، والعثمانيّة – الأوروبيّة. فالمشهد في جوانبه الظاهرة هو مجرد استئناف لمرحلة غائبة زمنيًّا، وهي لا تزال تبحث عن مخرج لإعادة تشكيل الساحة السياسيّة في إطار خريطة لم يتوافق بعد على ترسيم خطوطها الأفقيّة والعموديّة.

ربما تحتاج الصورة إلى وقت مضاف على زمن متأخر لتحقيق عملية الفصل الديموغرافي بين التشكيلات الطائفيّة – المذهبيّة المحليّة المعطوفة على قوى إقليميّة مجاورة تطوف على أرض خصبة بالهويات الصغيرة والعصبيّات المتشرذمة، وتتحرّك على مساحات متشابهة إلى حدٍّ كبير في تخلّفها الثقافي – الاجتماعي وانخفاض منسوب قدراتها الادراكية على وعي المصالح المشتركة.