IMG_5899

إعداد:الدكتور حسن المقلد

        بداية لا بدّ من تقديم الشكر إلى منتدى عبد الرحمن النعيمي الفكري على دعوته الكريمة وعلى تنظيم مثل هذه التظاهرة الفكرية في الميدان الاقتصادي.
       وكذلك أشكر الأستاذ جاسم محمد الجزاع على بحثه ومساهمته المدرجة تحت عنوان “ملاحظات حول اللامساواة في توزيع الدخل والثروة في حالة الدول العربية ” 


رئيسة الجلسة

الحضور الكرام


       بعد التأكيد والتنويه بالجهد المقدم من قبل الأستاذ الجزاع والمعلومات المُضافة والقيمة التي زادها هذا البحث الموزع بين أيدينا والتحليل المسجل لأسباب ظاهرة الاختلال في توزيع الدخل في الدول العربية وكذلك استنتاجاته الختامية حول السبيل إلى الخروج من هذا الواقع، أودّ إضافة جملة من الملاحظات على ملاحظاته.

أولاً :
       “الدخل والثروة” وهي متلازمة بدأت من العنوان وتكررت في جميع فقرات البحث كمصطلح واحد، ثابت، لا تفريق في التعريف بين الدخل والثروة ولا في المسببات والواقع ولا حتى في الاستنتاجات الآيلة لتغيير
واقع الحال، علماً بأنه في المصطلح والبنية والسبب والواقع وكذلك في الترجمة والتداعيات وسبل الحل فإن مصطلح الدخل يختلف عن مصطلح الثروة ولا يجوز أبداً الجمع بينهما كوحدة متراصّة، فالثروة أشمل وأوسع وتطال مكونات بنيوية ناشطة حيناً وهامدة أحياناً ( بالمفهوم الاقتصادي ) وتشمل مرتكزات بالبنى الإنتاجية والاقتصادية وكذلك مجموع الممتلكات، في حين أن الدخل يقتصر على الإيراد المحقق من نشاطات اقتصادية مختلفة في فترة زمنية محددة.                                                     
وإذا حصرنا المصطلح بتوزيع الدخل وفق المعايير السائدة بتوزيع الناتج على الفرد فإن الجمع عندها بين المصطلحين المختلفين، المتمايزين يقود إلى التباسات في المنطلق والتحليل والاستنتاج يبعد البحث عن مداركه ويخفي بالقصد أو المصادفة أسباب الخلل البنيوي المولّد لاختلال العدالة وتكريس اللامساواة في الدخل الناجمة أصلاً عن اللامساواة في الفرص والحقوق بين المواطنين والمرتكزة على خلل بنيوي في الاقتصادات لا سيما في الدول العربية، إضافة إلى المحسوبيات والفساد وغيرها من المسائل.

ثانياُ:
       سوء توزيع الدخل في جميع الدول العربية والتي أشار إليها الأستاذ الجزاع بشكل واضح لا التباس فيه، يأتي كنتيجة حتمية في جميع هذه الدول بسبب التركيبة الاقتصادية ثم الاجتماعية المشوهة القائمة اليوم في كل دولة على حدة أو في مجمل التركيبة الاقتصادية لدول متجاورة سواء بالنسبة للتجارة البينية أو التكامل أوالتعاون.                                                    
لا منطق اقتصادي يحكم أو مصلحة تحدد مستويات العلاقة الداخلية أو الخارجية لكل دولة .
وهذا النمط هو السائد سواء لدى الدول ذات الموارد الغنية أو الفقيرة، فلا تختلف السعودية مثلاً عن السودان أو لبنان في التشوه البنيوي الذي يشمل البنية الاقتصادية وحصة الانتاج فيها وتوزع القطاعات والعمالة الوطنية وتوفر الفرص حسب حاجة البلاد لا مصلحة أصحاب الحكم وكذلك إدخال المتخرجين والوافدين إلى سوق العمل عبر توفير فرص عمل أولاً أو إعطاء تلك المتوفرة منها لمستحقيها.


ثالثاً:
       عدم توافر الخدمات العامة التي تقدمها الدول كأساسيات للعيش الكريم أي السكن والطبابة والتعليم إضافة إلى حق العمل، وكذلك في دول كثيرة فقدان خدمات بديهية للعيش كالماء والكهرباء والهاتف والإنترنت وغيرها.

افتقاد الدول العربية، مع تسجيل تمايز واضح في هذه المجالات بين بعضها البعض، لهذا النوع من البنية يجعل التفاوت في الدخل واللامساواة فيه عملية أصعب وأعقد من المقارنة مع الدول التي تتمتع بهذا النوع من الخدمات البديهية.


رابعاً:
       المستوى السياسي والبنية السياسية المشوهة والمتخلفة القائمة على التبعية مهما اتخذت من أسماء أو تلوّنت بصفات قبلية، طائفية، حزبية محلية.

الخلاصة بناء غير ديمقراطي لا يسمح بآليات محاسبة ولا مداورة في الحكم، وبالتالي لا مجال لرسم سياسة توزيع عادلة للثروة بداية ولا سياسة توزيع عادلة للدخل في مرحلة ثانية.


خامساً:
       المستوى الاقتصادي تبنى معظم السياسات الاقتصادية خدمة للسلطان وحاشيته وليس خدمة للبلد وحاجات أهله، واليوم نرى هذه السياسة بشكل علني دون أي حاجب أو غطاء حتى في الدول الغنية مثلما يجري بين أقطاب السلطة في السعودية أخيراً، والأمثلة وفيرة على جميع الدول .
إذا كان هذا هو الحال على مستوى البنية الأساسية فكيف بالنسبة للسياسة الضريبية وتوزيع الدخل ؟

العالم يتجه اليوم أكثر فأكثر لتركُّز الثروات سواء بين الدول أو بين الأفراد، فدراسة مصرف كريدي سويس خلصت إلى أن ١٠ في المئة من الأكثر ثراء في العالم يملكون اليوم حوالي ٨٩ بالمئة من ثروات العالم وأن ٠،٧ بالمئة من أغنى الأغنياء يملكون ٤٥ بالمئة من الثروات وأن خمسين بالمئة من العالم لا يملكون سوى واحد بالمئة من الثروات.

العالم العربي يعيش اليوم على فوهة بركان مع قرار الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبعد وضع خطة لتصفية القضية الفلسطينية موضع التنفيذ وذلك بعد سنوات وسنوات من رزوح هذا العالم على خط الزلازل والحروب من تونس والعراق واليمن وسوريا ومصر ولبنان، فأي تنمية اليوم وأي اقتصاد ؟ 

لم تعد الإمكانات، ولا شروط اللعبة نفسها تسمح باستمرار هذا الواقع المشوه على مختلف الصعد، وهو ما يتجلى بما نراه من محاولات مختلفة ومتنوعة أخيراً، والحلول التي توصل إلى نتيجة لا إلى الهاوية باتت تتطلب مقاربات نوعية مختلفة هي بحقيقتها شروط طبيعية، متوافرة ومعتمدة ولكنها مبنية على مرتكزات لدولة ومؤسسات وليس مزارع أو مؤسسات خاصة.

       في الختام، أكرر شكري للمنتدى وللباحث، وشكراً لكم. 

د. حسن مقلد :

– رئيس مجموعة SICL للإعلام والدراسات.

– رئيس تحرير مجلة الإعمار والاقتصاد.

– رئيس تحرير مواقع (غرين أيريا، روسيا الآن وآرابيا تكنولوجي).

– مجاز في الفلسفة.

– مجاز في العلوم الاجتماعية.

– دكتوراه في العلوم الاقتصادية.

– له العديد من الأبحاث والدراسات الاقتصادية.