IMG_8180

تعقيب رضي الموسوي على ورقة الدكتور محمد مقلد

“ذكورية الحياة السياسية والحزبية في المجتمعات العربية”

بيروت-14 ديسمبر (كانون الأول) 2018

الاستبداد والموروث الثقافي في ذكورية الحياة السياسية العربية

في ورقة العمل التي قدمها مشكورا الدكتور العزيز محمد علي مقلد والمعنونة بـ “ذكورية الحياة السياسية والحزبية في المجتمعات العربية”، ثمة عصارة مكثفة لخبير أراد تحفيز ذهنية المتلقي/ المشارك في هذا المنتدى المحترم، على المزيد من البحث في أتون ورقة العمل المركزة والمبحرة في جذور قضية ذكورية الحياة السياسية والحزبية، ليس في الوطن العربي فحسب، إنما أصّلها الكاتب وفلسف قضية المساواة بين الجنسين وربطها بعوامل ثلاثة: السياسي والاجتماعي والثقافي. لكنه يشدد على أن العامل السياسي هو الحاسم بما يحتويه من مرتكزات ضرورية لعملية التطور الموضوعي للمجتمع، هي الحرية والمساواة والديمقراطية.

يعرج الكاتب على الجوانب التاريخية وبروز وجوه نسائية في مختلف المجتمعات، ويضيء على الفترة الزمنية (ثلاثة قرون) التي احتاجتها البشرية في العصر الرأسمالي لإثبات صحة حقائق هذه العوامل، ويضرب مثلا على الدول التي كان لها احتكاك بالحضارة الرأسمالية كمصر ولبنان وتونس، كونها دول “شهدت أدوارا متقدمة للمرأة”، وهي التي تشكلت فيها دول دستورية، وفق ما جاء في ورقة العمل.

في ورقة العمل، خلص الدكتور محمد مقلد إلى فرضية واستنتاج. الفرضية هي “أن أحزابنا اليسارية والقومية والدينية في العالم العربي هي أحزاب استبدادية، لأنها غير ديمقراطية، فهي لا تكتفي بعدم الاعتراف بالآخر، بل تعمل على إلغائه بالقتل أو النفي أو السجن”. أما الاستنتاج فهو: إن “نزعة الاستبداد هي أصل العلّة ولا حلّ خارج  دولة القانون والتربية على الديمقراطية”. هنا محاولة لقراءة بعض من مفاصل ورقة العمل، وتسليط الضوء على واقع المرأة السياسي في أربعة بلدان عربية هي تونس ومصر والأردن والبحرين.

أولا: في فرضية استبداد الأحزاب

السؤال الذي يُستنبط من فرضية استبداد الأحزاب هو: هل هذا الاستبداد سبب أم نتيجة؟

في التاريخ العربي المعاصر، وبعد مرحلة التحرر الوطني تشكلت نظم سياسية بعضها جمهوري وبعضها الآخر ملكي وراثي. لكن النمطين سارا على نهج واحد هو الاستبداد وعدم الاعتراف بالآخر، لتتحول سلطات هذه الأنظمة إلى سلطات مطلقة عطلت عملية التنمية الإنسانية في مختلف نواحيها، بما فيها تكوين الأحزاب السياسية، حيث ساد نظام الحزب الواحد أو العائلة الحاكمة الواحدة، وبالتالي تم تقعير العمل السياسي بمصادرة الحريات العامة والخاصة، وانتفت المساواة في التعامل مع المواطن، ووأدت الديمقراطية في مهدها بحرمان المجتمع من مؤسساته المدنية وأحزابه السياسية ، وذلك بتحريم وتجريم العمل السياسي، ما أدى إلى استمرار وتأسيس احزاب سرية تناضل من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وهي العناصر التي جاءت في ورقة العمل. ذلك قاد إلى تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلدان العربية، حيث تعمّقت سياسات التهميش والتمييز بشكل واسع شملت فئات جديدة، إما على أسس دينية ومذهبية أو على أسس عرقية وقبلية، وأضيفت لها حالة من التعميم على المجتمع برمته بعد فشل عملية التنمية المستدامة، لتبدأ عملية الترقيع عبر فرض المزيد من الضرائب والرسوم ودفع فئات جديدة إلى خط الفقر. وفي كل الحالات تم إغراق المجتمعات العربية بقشور التطور الرأسمالي الذي كان دخول المرأة سوق العمل حاجة ماسة لضرورات اقتصادية أولا، واجتماعية وثقافية ثانيا.

في الموروث التاريخي، يتوجب العودة إلى عصور الجواري والغلمان الذي يمثل عصر هارون الرشيد مثالا صارخا لمن يمتلك الثروة والسلطة وبالتالي المتعة، وفق توصيف الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها القيم “هل أنتم محصنون ضد الحريم؟”، التي تبين فيه أن هذا النهج لم يقتصر على العرب في العصر العباسي وعصور أخرى فقط، بل إنه يشمل الدولة العثمانية وخصوصا السلطان محمد الثاني (الفاتح) مؤسس إسطنبول. وقد سبق الاثنان العصر الأغريقي والروماني حيث تتجسد الذكورية في صورها البشعة أكثر مما كان هارون الرشيد يمارسه في قصوره. كان هارون الرشيد يمتلك ألفي جارية، ومن الطبيعي أن يهجر زوجته زبيدة التي تعتبر أول من شرب في كأس من ذهب في العصر الإسلامي، انعكاسا لحالة البذخ واتساع رقعة الدولة الإسلامية، لكن الرشيد كان يمضي أغلب وقته قائدا لجيوشه ففتح بيزنطه. وأكمل محمد الثاني الصورة النمطية الصارخة للذكورية في العصر الإسلامي مع دخوله بيزنطة، حيث حفز جنوده  وسمح لهم بأخذ الغنائم وسبي الفتيات الحسان.  سار الخلفاء والسلاطين المسلمون على نهج الإغريق واليونان قبل مجئ الإسلام بـ700 سنة، بل إن التعامل مع الجواري في العهد الإغريقي والروماني كان أشد قسوة ودونية للمرأة مما كان يفعل الخلفاء المسلمون، حيث يظل ابن الأَمَة عبدا في العصرين، بينما وصل أبناؤهن في العصر الإسلامي إلى مراتب قيادية، وهي حالة متقدمة ومبكرة في قضية الذكورية التي نناقش.

***

مع هبوب رياح الربيع العربي التي تم إجهاضها جميعا إلا في تونس، وبعض المكتسبات في المغرب، فقد تم ليّ عنق التاريخ والواقع وتشويه الحقائق للتغطية على فشل التنمية الإنسانية في البلدان العربية، وذلك من خلال الحلول الأمنية للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فتضاعفت هذه الأزمات واتسعت رقعة البطالة في أوساط الشباب وانتشر الفقر وتعثر التعليم من اللحاق بركب العصر، وسادت الدولة الأمنية لضبط إيقاع المجتمع ومنعه من الانفجار المعاكس لنهج السلطات. وقد تم استخدام المرأة في تلميع صورة بعض الأنظمة أمام الدول الغربية والمؤسسات الدولية التي تطالب بحقوق أكبر لها. وبتعزز وتعمق مكانة الدولة الأمنية الشمولية، تقوضت مساحات الحريات والرأي والرأي الآخر، وتضاءلت التعددية السياسية، فاستفحلت الأزمات وطفحت النتائج الكارثية على المجتمعات العربية، فتم الانقضاض على المطالب الاجتماعية والسياسية المحقة التي رفعتها القوى السياسية متمثلة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتعددية السياسية وتشييد الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة المرتكزة على دولة المواطنة واحترام حقوق الإنسان كما جاء في الشرعة الدولية ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا الانزلاق قاد إلى تردي الأوضاع وابتعاد مفهوم الدولة الحديثة أكثر من ذي قبل، لحساب دولة القبيلة أو الطائفة أو المحاصصات، وأنتج تشوهات كبرى في صيرورة التطور المجتمعي المنشود، وضرب أكثر المناطق الرخوة فيه، كما هو الحال مع واقع المرأة.

تشير بعض الإحصائيات إلى أن المرأة العربية حققت نتائج إيجابية في برلمانات بعض الدول العربية، مثل تونس التي أصّلت لحقوق المرأة دستوريا في المادة (34) التي تنص على أن “تعمل الدولة على ضمان تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة”، وأوضحت المادة (46) الأمر بالنص على أن “تسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة”. كما عملت على سن تشريعات متقدمة تتعلق بالمساواة ومنها مشروع قانون المساواة في الإرث. وقد زاد حضور المرأة التونسية في المجالس التشريعية، فحصدت في آخر برلمان في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي (برلمان 2009) على 59 مقعدا من أصل 214 مقعدا هي العدد الإجمالي لأعضاء البرلمان، مشكلة 27.57 %. وفي المجلس التأسيسي بعد ثورة يناير 2011، تراجع حضورها نسبيا بحصولها على 49 مقعدا من أصل 217 مقعدا وبنسبة 22.5% . وكان للمرأة في حركة النهضة نصيب الأسد ب42 مقعدا، وبعد توزير العديد من أعضاء البرلمان زادت حصة المرأة إلى 67 امرأه وبنسبة 30.8%. وفي برلمان 2014 ارتفع عدد النساء في البرلمان إلى 72 من أصل 217 وبنسبة 33%، وبمرتبة عالمية مرموقة بلغت 34، وزاد عددهن إلى 76 بعد توزير نواب في الحكومة لتبلغ نسبتها 35 بالمئة، وهي نسبة متقدمة ومستحقة للمرأة التونسية.

يقابل هذا التقدم على مستوى مساهمة المرأة في السلطة التشريعية، حالة متردية تزداد سوءًا على المستوى الاقتصادي والمعيشي بسبب ضغوطات القوى المضادة في الداخل والضغوطات الاقليمية والدولية التي تتعرض لها تونس بهدف إفشال تجربتها الجديدة الواعدة. كما يراد لهذه الضغوطات الاقتصادية والمالية المقايضة على الموقف السياسي وحشر تونس في سياسة المحاور المشدودة أقواسها منذ ثمان سنوات. ففي مارس 2017 قالت مستشارة التكوين المهني والتشغيل منية رايس المغيربي أن حوالي نصف نساء تونس عاطلات عن العمل، مشيرة إلى أن ما بين 22 إلى 50% من النساء عاطلات عن العمل وتصل النسبة إلى 40 بالمئة في صفوف الحاصلات على شهادات عليا، رغم وجود تشريعات دستورية تؤكد المساواة مع الرجل وتكافؤ الفرص. وتبلغ نسبة مساهمة المرأة التونسية في سوق العمل بنحو 30 بالمئة، وتصل إلى 50 بالمئة في سلك التعليم والطب.

وفي مصر، تكفل المادة (11) من الدستور التمثيل المناسب للمرأة في البرلمان، باشتراطها وجود عدد مناسب فيه، إلا أن هذه المادة لا ترتقي إلى ما جاء في الدستور التونسي بهذا الخصوص، حيث عُوِّمت النسبة في مصر وناصفتها في تونس. وبلغ عدد النساء اللاتي تم انتخابهن في مجلس الشعب 75 امرأة في برلمان 2015، وعين رئيس الجمهورية 14 امرأة وفق ما كفله الدستور بتعيين 5 بالمئة من أعضاء المجلس النيابي. وفيما يتعلق بالعمل، وحسب دراسة لمركز الإحصاء المصري فقد بلغت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل المصري أكثر بقليل من 24 بالمئة في العام 2016، وتراجعت في 2017 لتصل إلى 23.8 بالمئة، وكانت في 2015 نحو 23 بالمئة، بينما بلغت مساهمة المرأة في الإدارة العليا نحو 16 بالمئة. وبلغت البطالة في أوساط المرأة وفق تقديرات وزير القوى العاملة محمد سعفان في يناير 2017 أكثر من 25 بالمئة، بينما تقدر مصادر أخرى النسبة بأعلى من ذلك.

أما في الأردن، فقد بلغت نسبة النساء في مجلس النواب والأعيان الأردني نسبة 15.3 بالمئة، أي العاشر عربيا و122 عالميا، حيث وصلت مجلس النواب المنتخب 20 امرأة من أصل عدد أعضاء المجلس البالغ عددهم 130، كما بلغ عدد النساء المعينات في مجلس الأعيان البالغ عدد أعضائه 65 عضوا 10 نساء. وفي المقابل، بلغ عدد النساء في الحكومة وزيرتان فقط وبنسبة 6.8 بالمئة. وعلى صعيد سوق العمل، بلغت نسبة البطالة لدى المرأة الأردنية 33 بالمئة، في عام 2017 وفق التقرير الصادر عن دائرة الإحصاء العامة الأردنية. وكان أقصى نسبة بلغت في العام 1993 وبلغت 36.7 بالمئة، وأدنى نسبة في 2004، وبلغت 16.5 بالمئة.

وفي البحرين، فإن نسبة مشاركة المرأة في انتخابات مجلس النواب عام 2014 بلغت 8 بالمئة بوصول 3 نساء إلى المجلس المنتخب الذي يبلغ عدد أعضائه 40 نائبا، وتعيين 9 نساء في مجلس الشورى المعين وبنسبة 22.5 بالمئة، أما في مجلس النواب لهذا العام فقد وصلت المجلس المنتخب 6 نساء في الانتخابات التي انتظمت في نوفمبر 2018 لتبلغ نسبتهن 15 بالمئة من إجمالي عدد أعضاء مجلس النواب البالغين 40 عضوا، بينما فازت 4 نساء في انتخابات المجالس البلدية البالغ عدد أعضائها 30 عضوا وبنسبة 13.3 بالمئة. وعلى صعيد سوق العمل فإن نسبة مشاركة المرأة بلغت 39 بالمئة وفق تصريح وزير العمل جميل حميدان للصحافة المحلية نهاية نوفمبر 2018، وأن نسبة مشاركة المرأة في القطاع الحكومي تزيد على 50 بالمئة بقليل، فيما تبلغ نسبة بطالة النساء 80 بالمئة من إجمالي عدد العاطلين عن العمل هم من النساء، وفق الوزير نفسه.

واقع المرأة في الأحزاب السياسية

  1. تونس: شاركت المرأة التونسية في كل الانتفاضات والفعاليات التي خاضها الشعب التونسي، مثل انتفاضة الخبز عام 1984 وانتفاضة الحوض المنجمي في 2008 جنوبا، وكانت فعاليتها رئيسية إلى جانب الرجل في ثورة الياسمين التي تفجرت في نهاية ديسمبر 2010 وتوجت بخلع الرئيس زين العابدين بن علي في يناير/ كانون الثاني 2011. وقد كان الأمل يحدو الشعب التونسي، وخصوصا المرأة، بأن تشهد الحياة الحزبية تطورا فارقا، إلا أن الواقع لم يكن كما أرادت المرأة، فهي تترأس ثلاثة أحزاب سياسية فقط من أصل 160 حزبا في العام 2014، بينما تتبوأ امرأتان فقط منصب الناطق باسم الحزب.
  2. مصر: وفق دراسة أعدتها جمعية الحقوقيات المصريات، فإن نسبة مشاركة النساء المصريات لا تتعدى 5 بالمئة في الحياة السياسية. وحول رئاسة الأحزاب تشير احصائيات إلى أنه من أصل 106أحزاب في مصر، هناك فقط ثلاثة أحزاب سياسية تترأسها نساء.
  3. الأردن: حسب التقارير المتعددة، هناك 34 حزبا أردنيا تترأس المرأة 3 منهم، وتؤكد النائبة السابقة بالبرلمان الأردني، هند الفايز، في أغسطس 2017، على أنه “في العالم العربي لا المرأة قادرة على التقدم ولا الرجل قادر على القيادة.. لدينا أنظمة مستبدة لا تعطي الفرصة لكلا النوعين الاجتماعيين للعمل بحرية في مجال السياسة”.
  4. البحرين: وفق القانون، فإن تشكيل أحزاب سياسية ممنوع في البحرين ومُجرّم، وأقصى ما وصل له هامش الحريات هو العمل السياسي المؤطّر في قانون الجمعيات السياسية التي لا يرتقي الى مستوى العمل الحزبي. وقد تم حل ثلاث جمعيات سياسية رئيسية معارضة، آخرها جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد). ولا تترأس امرأة أي من الجمعيات السياسية المتبقية، لكن جمعية وعد وقبل حلها مطلع عام 2018، كانت تترأس لجنتها المركزية في عام 2011 امرأة، ونسبة المرأة في الجمعية تصل إلى نحو 33 بالمئة من الأعضاء.

إن دور المرأة في الحياة السياسية والحزبية في أغلب البلدان العربية هو دور شكلي تريد من خلاله الأنظمة السياسية تقديم صورة محسنة لواقع مرّ تمر فيه المرأة خصوصا ويمر فيه المجتمع بشكل، وأن بعض النتائج الإيجابية إزاء تمكين المرأة ليست جوهرية، بل أن جزءًا لا بأس به منها شكلي في الأصل ولا يلامس جوهر الحق، وهنا يتجسد قول كارل ماركس الذي بدأ به الكاتب ورقة عمله من “إن الحضارات تقاس بقياس دور المرأة فيها”، ويقصد ماركس هنا الدور الجوهري وليس رسم أدوار لها للوازم العلاقات العامة على المستوى الدولي والمنظمات الأممية.

إذن، نتوصل من خلال هذه القراءة السريعة في فرضية الدكتور محمد مقلد، إلى أن نهج الأحزاب السياسية في البلدان العربية (غير الحاكمة) هو نتاج نهج النظام الحاكم الشمولي الذي يرفض رفضا قاطعا أي تطور في العناصر الثلاثة التي أشار لها الكاتب في الجانب السياسي والمتمثلة في الحرية والمساواة والديمقراطية، ويشيع اليأس بين الجمهور التائه والخائف والواقع بين مطرقة الفقر والتهميش وسندان القمع والسجن والقتل خارج القانون، وقد نتج عن ذلك واقع مشوه، جزء منه الأحزاب السياسية التي لا تتمكن من صياغة بنائها كما تريد في الوقت الذي تقف لها الدولة الامنية بالمرصاد معززة سطوتها بتشريعات تصدر وفق متطلبات هذه الدولة، وبالتالي فإن الحياة الداخلية للأحزاب السياسية في البلدان العربية هي نتاج لهذا الاستبداد الذي أسس للفقر والخوف والمرض والتخلف.

ثانيا: في استنتاج أصل العلة

في استنتاجه “نزعة الاستبداد هي أصل العلة ولا حل خارج دولة القانون والتربية على الديمقراطية”، يضع الدكتور محمد مقلد يده على جرح الأزمة التي تنتاب البلدان العربية. وهذا الاستنتاج الحصيف يتفق عليه أيضا الكثير من المفكرين والكتاب والسياسيين والأدباء، وقطاعات واسعة من الرأي العام العربي التي تعاني من لهيب الاستبداد باعتباره معطلا للتقدم المجتمعي. بيد أن قضية الذكورية في الحياة السياسية العربية تتداخل في أسبابها عناصر مجتمعية طاغية منها الموروث التاريخي والتطور الاقتصادي المشوه والمعطِل لنشوء اقتصاد إنتاجي من شأنه أن يعظم مكانة المرأة ويجعلها تتموضع في موقعها الضروري اللازم لعملية التطور، وموروث الفتاوى الدينية التي تنحرف عن جوهر الدين المتمثل في الحرية والعدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية التي تحد من الفساد بأشكاله. وهي عناصر تضاف بقوة إلى أصل العلة، الاستبداد، التي تنخر في المجتمعات العربية على كافة المستويات، فتنتج مجتمعات مشوهة ومضطربة وخائفة وغير قادرة على الفعل الحقيقي المطلوب منها لإحداث عملية التغيير الضرورية للانتقال من دهاليز الدولة الريعية المحمية بالدولة الأمنية إلى رحاب الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، دولة القانون والمؤسسات، التي تؤسس إلى احترام حقوق الإنسان وتطبيقها، وتشيع الحريات العامة والخاصة، وتبدأ بعملية الانتقال للديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية والمساواة.

ويمكن القول، أن المجتمعات العربية تعاني، في الوقت الراهن، من اندفاعة الليبرالية المتوحشة التي تنهش في جسد الأمة، لتعيدنا إلى الوراء قرونا من الزمن. فالواقع الراهن يؤكد على أن أغلب الدول العربية تطبق مفهوم الليبرالية المتوحشة بدرجات قصوى، هروبا من استحقاقات فشل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية وتحويل المجتمعات العربية إلى مجتمعات فقيرة ومريضة ومعوزة، حيث يجرى تطبيق الليبرالية الاقتصادية بانتقائية تستهدف إفقار المجتمع من خلال المزيد من الرسوم والضرائب في ظل اقتصاديات متعثرة في إنجاز الحد الأدنى الضروري لاستقرار المجتمع، مما يجعلها ليبرالية متوحشة ضد المجتمع، وأكثر إيلاما على القطاعات الرخوة فيه، المرأة، التي تعاني من اضطهاد مزدوج. في المقابل، يتم إقصاء الشق السياسي من الليبرالية الذي يعني التعددية السياسية وحرية تكوين الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني للتوحش الليبرالية بأسواقها المفتوحة التي تقود للاحتكار، وحين تنشب الأزمة، تكون الديمقراطية أولى ضحاياها، بعد أن تحصد في الطريق حقوق ومكتسبات الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا وتهميشا، بما فيها المرأة، وفق قول الدكتور رمزي زكي، في كتابه القيّم “الليبرالية المتوحشة”.

وعلى هذا، نؤكد على ما خلص له الكاتب، بالقول أن ذكورية الحياة السياسية والحزبية، قضية تتداخل فيها جملة من العناصر يقف على رأسها الاستبداد، وأن التقدم المطلوب لإحداث الفرق مرهون بموقف السلطة السياسية التي تُهيمن على كل مفاصل الحياة في الدولة والمجتمع، ذلك أن ظاهرة المرأة والتمثيل السياسي تكتسب دلالتها وبُعدها الحقيقيين في ارتباطها بمسألة السلطة السياسية، حسب د. رقية المصدق، في كتاب “المرأة والسياسة/ التمثيل السياسي في المغرب”، والتي تؤكد فيه أيضا على أن مسألة التمثيل السياسي للمرأة، وأن ترتبط بظاهرة السلطة السياسية، فإنها تطرح في إطار أوسع وهو التنمية السياسية.

الذكورية أيضا هي نتاج عملية التهميش والتمييز التي تتعرض له فئات اجتماعية، المرأة فيها أكثر تضررا، رغم توصيات المؤسسات المالية الدولية بتقريب الفجوة بين النوعين الاجتماعيين، بينما تمارس هذه المؤسسات ضغوطا على الحكومات من أجل السير في نظام تقشفي صارم منها تخفيض العمالة، تخلي الدولة عن الخدمات الأساسية مثل التعليم والتطبيب والسكن، تحرير التجارة الذي يعني رفع الدعم عن المواد الغذائية الرئيسية مثل الخبز واللحوم والدواء وتخفيض مستوى الأجور والضغط بعدم إصدار تشريعات مختصة بالحد الأدنى للأجور، والتخلي عن الضمان الاجتماعي بانعدام القوانين التي تضمن العيش الكريم للعاطلين، والاستعاضة بالعمل المؤقت والعقود غير الدائمة للتهرب من المسئوليات الاجتماعية. يحدث هذا الضغط من قبل المؤسسات المالية الدولية، كالبنك الدولي والبنك الدولي على حكومات دول العالم الثالث بشكل رئيسي، وقد طالت بعض دول جنوب أوروبا مثل اليونان من قبل دول الاتحاد الأوروبي الأكثر غِنًى كألمانيا. وفي المحصلة، وحسب الكاتبة حكيمة الشاوي، تتعمق حالة تأنيث الفقر من خلال إفقار المجتمع وضرب المناطق الأضعف فيه ألا وهي المرأة.

ليس هناك حل سحري لمعضلة الاستبداد، إلا بالشروع في دمقرطة المجتمع والدولة من خلال سياسات شفافة واضحة تلجم الفساد المنفلت من عقاله بسبب السلطات المطلقة، وتأسيس دولة المواطنة، الدولة الدستورية، دولة القانون والمؤسسات، لنصل إلى الحكم الرشيد الذي يرتكز على الديمقراطية كما هي معرّفة في الأدبيات الكلاسيكية بضمان حقوق الأقلية