IMG_8302

د.خالد غزال

تقديم : غسان نصيف

بداية، لا بد من تثمين الورقة المقدمة من الدكتورة السعيدي لما تضمنته من مقاربة شاملة للمسار الذي سلكه نضال المرأة التونسية منذ عقود ما قبل الاستقلال، وخلاله، وصولا إلى المرحلة الراهنة التي تتسم بأهمية كبيرة، سواء للمرأة التونسية بشكل خاص، أو للمرأة العربية بشكل عام.

1 ــ من الأهمية بمكان رصد الحركة الفكرية التي ساهمت في تكوين ثقافة تطالب بتشريعات تعطي المرأة حقوقها؛ فاستحضار مفكرين – مناضلين من أمثال نظيرة زين الدين، وخير الدين التونسي، والشيخ عبد العزيز الثعالبي، وقاسم أمين، والطاهر حداد وغيرهم أمر يتّسم بالأهمية. صحيح أن الحركة الفكرية هذه ظلت محدودة الفاعلية، وهو أمر طبيعي، فالأفكار التحررية المتصدية للثقافة والقوانين السائدة تحتاج إلى حاضنة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية.. وهي حاضنة كانت تتكون بشكل متدرج تاريخيا.

نقطة أخرى يثيرها استحضار المفكرين الذي تناولوا قضية المرأة، أن هذه القضية ليست محصورة بالنساء ونضالهن. في كل حال، أتت كتابات الطاهر حداد وقاسم أمين لتضع الأمور في نصابها، لجهة أن نيل المرأة لحقوقها ومساواتها بالرجل، هو أحد شروط تطور المجتمع، فالرجل والمرأة مسؤولان عن خوض النضال لإعطاء المرأة حقوقها القانونية والسياسية ومنع التمييز عنها.

2 ــ لن أتعرّض في تعقيبي هذا إلى حجم النضال الذي خاضته المرأة والجمعيات التي أقامتها وانخرطت فيها، فهذا وارد بالتفصيل في الورقة. ما أريد تسليط الضوء عليه هو عوامل سياسية ساعدت المرأة التونسية على أن تبدو متقدمة على المرأة في سائر الأقطار العربية. في هذا المجال أشير إلى الدور الذي لعبته السلطة السياسية التي كان الرئيس الحبيب بورقيبة على رأسها منذ خمسينات القرن الماضي. ندر أن عرف العالم العربي، بل لم يعرف، وجود رئيس يملك من الأفكار التقدمية المخالفة للتقاليد والثقافة القائمة، ويسعى إلى تطوير المجتمع التونسي من خلال فرضها جملة قوانين يلتزم بها الشعب التونسي. إن توافر مثل هذا الرئيس كان له أهمية كبرى في تطوير الثقافة القانونية والسياسية التي ساهمت لاحقا في دفع نضال المرأة التونسية إلى الأمام.

على رغم أن أفكار بورقيبة واجهت اعتراضات غير قليلة خصوصا من المؤسسات الدينية ورجال الدين، إلا أن موقعه في الرئاسة وقناعاته بالأفكار التي يطرحها، جعله غير آبه بالاعتراضات المثارة في وجهه. في هذا المجال، من المفيد مقارنة بورقيبة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في علاقته مع الأزهر. طرح السيسي موضوع الطلاق الشفوي، حيث يمكن لأي رجل مسلم أن يطلق زوجته بمجرد القول إنها طالق. لا شك أن الطلاق الشفوي يشكّل إهانة كبرى للمرأة، وما طرحه الرئيس المصري هو أن يكون الطلاق في المحاكم، وهو مطلب محق وعادل بالنسبة للمرأة. ثارت المؤسسة الدينية المتمثلة بالأزهر وهاجت على اقتراح السيسي في وصفه خروجا على الشريعة الإسلامية، وأثارت ضده معركة إعلامية جعلته يتراجع عن اقتراحه.

ليس بعيدا ما جرى في تونس نفسها بعد انتفاضة العام 2010. شعر الإسلام السياسي أن فرصته باتت مؤاتية للانقضاض على السلطة وإلغاء القوانين المدنية الموروثة والتي أعطت المرأة حقوقها. حتى أن حركة النهضة، الموصوفة زورا بفكرها التنويري، ارتدت عقودا إلى الوراء، وركبت موجة الحركات الإسلامية الداعية إلى الارتداد عن التشريعات الموضوعة. ما أنقذ تونس من هذه الهجمة هو جملة عوامل في طليعتها توافر مجتمع مدني ومؤسسات موروثة، سبق لها أن ناضلت بقوة من أجل حقوق المرأة، ناهيك عن الحاضنة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي رفضت طروحات الإسلام السياسي، وفرضت الدستور التونسي الأخير الذي يمثل نموذجا حداثيا يشكل خارطة طريق لسائر المجتمعات والشعوب العربية. وإذا كان الإسلام السياسي أُجبر على الخضوع هذه المرة، فلا يظنن أحد أنه تخلى عن طموحاته وأفكاره، ولعلّه ينتظر فرصة للانقلاب على ما جرى.

3 ــ تكمن أهمية طروحات الدكتورة السعيدي في كونها تسلط الضوء على واقع المرأة العربية في سائر الأقطار، سواء منها في الشمال الافريقي أو المشرق العربي. فالاستعصاءات على الإصلاح في المنطقة العربية يتصل بجملة عوامل سياسية وثقافية واقتصادية، ولكن الاستعصاء الأكبر، خصوصا فيما يتعلق بحقوق المرأة، إنما يأتي من المؤسسات الدينية ومن الثقافة الموروثة عن الفقهاء واجتهاداتهم. تقف المؤسسة الدينية بالمرصاد، سواء منها السنية المتمثلة بالأزهر أم الشيعية بالمتمثلة بالنجف وقُم، لكل دعوة إصلاحية تتعارض مع الفكر الديني السائد منذ مئات السنين. كل دعوة لإدخال تشريعات تعطي المرأة حقوقها أو تدعو إلى المساواة بالرجل في الحقوق المدنية والسياسية تراها المؤسسات الدينية هرطقة وكفرا وخروجا عن الشريعة الإسلامية. ليس بعيدا ما قام به الأزهر ردًا على الإصلاحات التي جرت في تونس في شأن المرأة، واعتبارها ارتدادا عن الإسلام، بحيث وصل به الأمر إلى إلغاء تونس من كونها بلدا إسلاميا.

4 ــ استندت المؤسسة الدينية على امتداد عقود إلى تحالف مع السلطة السياسية، أتاحت لها هذه الأخيرة فرض ثقافة دينية متخلفة تحمل في جوفها كل عناصر التحريض ضد المرأة وتشويه موقعها، واعتبارها عورة، موقعها في المنزل، وهي مصدر الشر والفتنة في المجتمع. زاد من قوة الثقافة الدينية هذه أن الإسلام السياسي الصاعد يحمل الأفكار نفسها، وأحيانا ما هو أسوأ. إن التقاء المؤسسة الدينية مع الإسلام السياسي، جعل من الطروحات الداعية لإعطاء المرأة حقوقها أكثر استعصاء.

5 ــ في هذا المجال، لا بد من العودة إلى الأصل الذي تنطلق منه المؤسسة الدينية في رفضها مساواة المرأة بالرجل في الحقوق. ترى المؤسسة الديينة أن الشريعة الإسلامية واضحة في هذا المجال، سواء لجهة النصوص الواردة في القرآن، أم في اجتهادات الفقهاء والأئمة التي يجري التعاطي معها كنصوص مقدسة لها نفس الأهمية لما هو وارد في القرآن. لا تميز المؤسسة الدينية بين العقيدة والشريعة في الإسلام. هي تساوي بين الاثنين في وصفهما متجاوزين للزمان والمكان، وينطبقان على كل عصر. في هذه النقطة تكمن المعضلة الكبرى في الإصلاح الديني في الإسلام.
إذا كانت العقيدة ثابتة لجهة الإيمان بالله ونبيه واليوم الآخر، فإن الشريعة ليست كذلك. الشريعة تخضع لتطور المجتمع وحاجاته، وهي قابلة للتعديل وفق الحاجات المستجدة. إن الآيات المتصلة بالمرأة والتي نزلت في القرآن هي نتاج تلك المرحلة والثقافة السائدة والتقاليد الموروثة. لا يغير من الأمر شيئا أنها نزلت في النص المقدس، فهي آنية وليست مطلقة. لذلك وجب التعاطي معها على أنها تكون صالحة بمقدار ما تتوافق مع حاجات العصر الراهن. إن تمترس المؤسسة الدينية وراء مقولة أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وأنه لا يمكن تعديل نصوصه أو إخضاعها للقراءة التاريخية، يشكل أكبر المعضلات التي تواجه الشعوب العربية في سعيها للإصلاح الديني.

تتغذى المؤسسات الدينية حتى الآن من ثقافة تقليدية زرعتها في الذهنية العربية، مستفيدة من عوامل التخلف والجهل والأمية والفقر المعششة لدى الشعوب العربية، وهي ذهنية مؤاتية لما تطرحه المؤسسة الدينية، التي باتت في كل مكان من العالم العربي سلطة توازي أحيانا السلطة السياسية. لا أحد يحلم أن يكون النموذج التونسي مطبقا في سائر الدول العربية في المدى القريب. لكن ما أنجزته تونس سيشكل دافعا لتواصل النضال ، من الحركات النسائية والذكورية، سعيا لفرض  قوانين مدنية، وتجاوز النصوص الدينية التي تستخدمها المؤسسات الديينة في منع أي إصلاحات، بل في محاولة نزع ما تكون المرأة حققته من إنجازات.

تحية للمرأة التونسية ، وتهنئة لها في الإنجازات التي حققتها في التصدّي لمشروع الدولة الدينية، وتحية لإنجازاتها وإنجازات الشعب التونسي بمجمله في تكريس تونس دولة مدنية.